Chat with us, powered by LiveChat
الرئيسية » دراسات » الرؤية الاخراجية بين تنوع الاساليب وتداخلها في المسرح العراقي  : حليم هاتف 
حليم هاتف
حليم هاتف

الرؤية الاخراجية بين تنوع الاساليب وتداخلها في المسرح العراقي  : حليم هاتف 

شهد الواقع العراقي تحولات سياسية واقتصادية واجتماعية  كبيرة رافق تلك التحولات تغيرا في المجتمع وبنيته الاجتماعية  ، والتغير فيالمجتمع يؤدي  بدوره الى التغير في منظومة  الوعي ،

فالواقع المادي في تفاعل مستمر مع المتغيرات التي تحدث نتيجة تلك التحولات الحاصلة والتي القت بظلالها على المسرح العراقي  بوصفه جزأ من ذلك الواقع  ،فقد أخذ العرض المسرحي العراقي يشهد أساليب متعددة ومختلفة في عناصر العرض ومكوناته سيما في الاخراج والاداء التمثيلي فتنوعت الاساليب الاخراجية بحيث لم تعد تعتمد على اسلوب واحد كما هو متعارف عليه في السابق كأن يكن هناك عروض اعتمدت الجسد ، وعروض اعتمدت الكلمة المنطوقة ،واخرى المنظر المسرحي ، حيث أخذ العرض المسرحي يعتمد أكثر من اسلوب واحد وبات العرض المسرحي يأخذ الشكل الدلالي في منظومة عرض سيميائية تتحول الى عدة علامات وفق مفهوم الشفرة والرمز ، ومثلما اختلفت الرؤى والطروحات في اسلوبية العرض ، اختلف  الاسلوب الاخراجي ، والذي لانستطيع ان ندرجه في اسلوب من الاساليب المتعارف عليها ، كأسلوب ، كروتوفسكي في المسرح الفقير ، او اسلوب انطوان ارتو في مسرح القسوة ، حيث أخذ العرض المسرحي يحمل اكثر من اسلوبين او ثلاثة اساليب واخذا المخرج المسرح يخلق اسلوبا (هجينا) ويسعى الى خلق فضاء مغايرا كما يسميه (هومي .بابا ) بالفضاء الثالث للتعبير ” والذي يؤكد فيه ان مفهوم الفضاء الثالث هو نتاج ثقافتين وناتج هاتين الثقافتين هو ثقافة هجينة ” وهذه الثقافة عادة  ما تكون في المجتمعات المنغلقة والتي  اصبحت اليوم متأثرة بثقافات دخيلة على ثقافتها ، أو ثقافات لا تنتمي الى تلك المجتمعات ديموغرافيا ، وهذه الثقافات اما ان تأتي عن طريق الاحتكاك بتلك المجتمعات بهيمنة مباشرة أو أن تأتي عن طريق تقليد تلك المجتمعات عن طريق العولمة وما آلت اليه من وسائل اتصال وتكنلوجيا حديثة عالية الاستخدام .

   ” لقد شهد العراق تداخلا ثقافيا بين مشتركات الامم ، وما ذلك التداخل الا نتيجة التحولات السريعة في مناشط الحياة جميعها ، حتى دخلنا دوائر العولمة المشتركة من دون خيار منا ، أو دخلت الى عالمنا دون أستاذان ، ومنذ أن اثيرت فكرة (القرية الكونية ) في أوربا والتي تحولت الان الى (غرفة كونية ) والتي جمعت كل حركات الكون عبر الستالايتوالأنترنيت ووسائل الاتصال الاخرى والتي أدت بدورها الى تقارب المسافات بين الامم وتلاقحها وتأثر بعضها بالبعض الاخر ليخلق لنا فضاء بأساليب جديدة هي الاخرى ومتعددة ليكون فضاء (هجينا) على ممارساتنا “.([1])

ان الأنتقالةالتي حصلت للمسرح العراقي وبالأخص   مابعدالتغيرهوظهورجيل جديدمن المخرجين المسرحين الشباب وهم

يمتلكون رؤى جديدةفي تشكيل عناصرالعرض البصريةوالسمعيةوعلاقتهافي تشكيل مضمون العرض،بحيث ساهمت هذه العروض ب خلق عرض جديدومغاير متأثرةبمفاهيم فلسفيةتعمل على نبذالسائدفي شكل ومضمون العرض المسرحي الذي هيمن لفترات طويلة وهذا التداخل الثقافي الذي لم يكن مختصراعلى مدينةعراقيةدون أخرى فلابد من النظرفي تسمية (مسرح المحافظات) وهي تسميةتكادتكون  فيه من الحيف والاقصاء والتهميش لعروض مسرحية فاقت ماقدمته دائرةالسينما والمسرح في المعالجات والرؤىا لاخراجية لتشكل علامة مضيئةفي تاريخ المسرح العراقي ومنها ماكان ت متفوقا ليشكل حضورا كبيرا ولافتا،ليدخل في ارشيف دائرةالسينماوالمسرح لاعلى سبيلا الارشفة بل على اساس الفاعلية الكبيرة لتلك العروض،وأخصب الذكرالعروض التي قدمت في مرحلة مابعدالتغيرحيث اعتمدت تلك العروض المسرحيةعلى رؤى جديد في تناول منظومةالعرض المسرحي .

فلم تعد هناك مراكز متعالية في ظل العولمة والفلسفة الحديثة فمفهوم المركز والهامش مفهوم قديم والفلسفة الحديثة تدعو الى اعلاء الهامش وضرب المركز المتعالي  والاطاحة به ، ولم يعد الفكر السائد محكوم كما كان بمجموعة من النخب لتهمش من خلال سلطتها العروض المسرحية لمدن العراق وتجعل منها بؤر ثانوية في ممارساتها الابداعية لتشكل من خلال الاسم (مسرح المحافظات) نظرة دونية تجاه هذا المنجز الابداعي .

ولتداخل الثقافي اثر على  العرض المسرحي  العراقي بخرج من الكلاسيكية والتقليدية في تناوله  اليومي والمتداول حيث بدأ  المخرج المسرحي يعمل وفق منظومة جديدة للعرض متأثرا بما جاءت به اراء الفلاسفة الحديثة ودخوله منظومة العولمة وما الت اليه في استخدام الميديا الجماهيرية والأنترنيت ودخوله عبر هذه النوافذ من الخصوصي الى الكوني وفق عملية المثاقفة و الاحتكاك مع ثقافات  اخرى عبر اليات التواصل  الحديثة .

ومن خلال ما تقدم فأن هناك  تجارب مسرحية  يشار لها بالبنان وليس على صعيد الاخراج فحسب ،  بل على مستوى التمثيل والسينوغرافيا وباقي الاشتغالات الفنية الاخرى ، وبذلك فأن تمثلات الرؤى الاخراجية الحديثة وانعكاسها في المسرح العراقي لازالت تشكل حضورها الفعلي النابع من وعي الفنان ودوره وحضوره والذي تجاوز الحضور المحلي الى الحضور العربي ، وبفعل تنوع اساليب الاخراج وتنوع  تداخلها الجمالي و ما الت اليه العولمة والتي كانت سببا مهما في الخروج عن الاسلوب الواحد في العملية الاخراجية ، بوجود تجارب ذات نزعة شبابية متمردة على كل ما هو مألوف خاضع  لقوالب العرض الكلاسيكي ، فالابتكار في البحث عن الصدمة والدهشة أخذ الشكل الاعم والاشمل في تناول العرض المسرحي وفق رؤية جمالية حداثوية  وأصبح من الممكن أن تجد في عرض واحد أساليب متعددة ومتداخله في الاداء الحركي والصوتي والصوري لتشكيل العرض المسرحي ، متأثرة بتيارات وأساليب اخراجية عالمية حديثة ، مثل تجربة (روبرت ويلسون) في مسرح الرؤى وكذلك تجربة (أوعست بوال ) في مسرح المقهورين وتجربة (أوجينياباربا) في المسرح الأنثروبولوجي (المسرح الثالث) و(ريتشارد فورمان)  وكذلك تجارب مسرحية اعتمدت الكريوكراف  والرقص الدرامي  مثل تجربة الامريكية مارثاكراهام.

وكل هذه التجارب المسرحية لا تحتاج الى سفر أو بعثة للمشاهدة  كما أبتعث الكثير من الاسماء العراقي لدراسة المسرح والاساليب الاخراجية والاطلاع عليها ، بعد أن أصبح العالم كما ذكرنا (غرفة كونية) فأصبحت كل تجربة مهما كانت حداثتها هي تحت متناول جميع المعنين في المسرح من خلال مشاهدتها (يوتيوب) أو الاطلاع عليها من خلال كثرة توفر المصادر التي تتناول تلك التجربة وبما أن التجربة المسرحية الغربية هي التجربة المصدرة للمسرح ونتفق جميعا مع تاريخ المسرحي العربي بأنه مسرح وافد ، فقد تأثر الكثير من الشباب في تقليد تلك التجارب من خلال المشاهدة والتواصل مع العالم الغربي في تأسيس لون مسرحي جديدة يتبع أساليب متعددة في تناول الواقع .

وما تجربة الفنان الراحل (هادي المهدي) كأسلوب اخراجي في (بروفة في جهنم ، وهاملت تحت نصب الحرية  )والتي عرضت عام 2010 على المسرح الوطني مع مجموعة من الشباب ، فقد تأثرت أفكار المهدي بالأفكار الغربية الحديثة التي تناولها المسرح العالمي والتي اعتمدت البساطة والاقتصاد في الاشياء وتكثيف الحوار و اعتماد الصمت والترميز والتخفي واعادة انتاج النص الاصلي ، وبعدها تلت تلك التجربة الكثير من التجارب الشبابية المهمة والفاعلة في المشهد المسرحي العراقي ، منها تجربة مهند هادي  ، واحمد محمد عبد الامير ، وأنس عبد الصمد ، وسنان العزاوي ، وباسم الطيب ،  وعلاء قحطان ، وتحرير الاسدي ، وأنس راهي ، وعباس رهك ، ومحمد مؤيد ومصطفى الركابي ، وحازم عبد المجيد ، وهمام عبد الجبار ، لقد ساهمت هذه التجارب الاخراجية في اثراء المشهد الثقافي بالكثير من العروض المهمة فمنها أعتمد على تشكيل فضاء مغايرا باستخدام التقنيات الحديثة للعرض والاساليب المتعددة في طرح الواقع العراقي فمنها ما أ اعتمد المسرح الرقمي كما في العرض المسرحي (كرستال) احمد محمد عبد الامير والذي ابرز فيه دور الكومبيوتر والبرمجيات في ابراز صيغة  العرض والتعرف على التقنية الرقمية  والتوظيف الجمالي لها واستخدام الداتاشو كمعالج بديل للضوء وكذلك الكاميرات الرقمية مع استخدام جسد الممثل بصورة متعددة منها خيال الظل والمسرح الاسود ، كل هذه التقنيات التي عمل عليها العرض كانت من الاهمية في ابراز واعطائه الصفة الرقمية الحديثة في المعالجة الاخراجية التي تناولها المخرج بأساليب متعددة لتشكل الفضاء المفترض يتناوله العرض ، ان هذا التداخل الذي عمل عليه المخرج منذ اللحظة الاولى للعرض يحيلنا الى ان العرض لا يعتمد الاسلوب الواحد المنمط اخراجا واداء بل تعدى اكثر من اسلوبين في تكوين بنية العرض المسرحية .

أما تجربة الفنان المسرحي مهند هادي وهو يستخدم المونتاج الصوري في عزله للفضاء معتمدا الصورة في  ايصال الفكرة الى المتلقي ، فقد اتسم الاخراج المسرحي في طريقتين هما الطريقة البرشتية وطريقة بسكاتور ، في استخدامه للشخصيات المهمشة  وهي تتسم بالطابع التحريضي والثوري لنبذ الارهاب والعنف ، التي تناول من خلالها الواقع العراقي، كذلك  استخدامه الشاشة للعرض التلفزيوني في مشهد (دعاية الشامبو) الذي كان يسخر في تنظيف الدم الذي لا ينقطع واستخدامه السيارة الفارهة التي من خلالها كان يتم تهريب القنابل والمتفجرات وهو ما يمثل التدخل الخارجي ، لقد استخدم هادي الصمت ولغة الجسد والمنظر المسرحي المتحول في العرض والداتاشو ليضعنا أمام واقع عراقي استطاع أن يعالجه اخراجيا بطريقة مبهرة فيها من الدهشة التي هي صفة من صفات المخرج الناجح والعارف لاستخدام عناصر العرض المسرحي في عملية التوصيل الى المتلقي عبر شفرات متعددة ، ان الطريقة التي عمل بها هادي في ايصال رؤيته الاخراجية المعاصرة في تناوله للواقع العراقي ، عراقيا تكاد تكون متفردة ولها خصوصيتها في الاشتغال ، فقد شكلت تداخلا في الصورة المسرحية التي انتجها العرض بالإضافة الى الاداء الذي اعتمد الصمت تارة والكلمة المنطوقة تارة اخرى ، ليتسع فضاء العرض الى مساحة اكبر من التأويل بابتعاده عن الاسلوب الاخراجي النمطي .

أما تجربة الفنان (أنس عبد الصمد) في مسرحية (توبيخ) والتي عرضت على المسرح الوطني عام 2014 التي اعتمدت على لغة الجسد ، كذلك استخدامه للصمت الذي كان هو الاخر لغة للعرض في محاولة الى تنوع الاداء في العرض المسرحي الذي اعتمد على مجاميع ليست لهم خبرة بالتمثيل كذلك الصور ، الداتاشو ، الشاشات التي وضعها على يمين  المسرح واعلى الوسط  والتي جسدت حركة الممثل مع حركة الذباب ، والتأوهات التي رافقت الحركة الجسدية والتي يؤديها الممثل ولم يقتصر ذلك على اداء الممثل فحسب ففي (توبيخ ) بل كانت المعالجة الاخراجية لفضاء العرض ليكون فضاء خارج نطاق الواقع المألوف وهنا ينطبق على هذا العرض برفضه الاسلوب الواحد واكتشافه عدة انماط ليدخلنا في تناصات مع عروض  (روبرت ويلسون) في  (مسرح الرؤى)  كون الناتج الإخراجي هو عبارة عن انصهار رؤى متعددة لنص العرض النهائي ، أن الاداء المسرحي منذ بداية العرض (توبيخ) واستخدام المخرج الصمت لفترات طويلة ، ودخول الممثلة بحركة بطيئة وكأنها تحمل طفلا بين ذراعيها ، واستخدام الشاشات واستخدام الاداء التمثيلي الذي اعتمد الجسد بربط ذكر الذباب وهو يتناسل مع الانثى ، شكل تناصا مع العرض المسرحي ” روبرت ويلسون في  عرضه المسرحي نظرة شخص أصم ” .([2])

لا تخلو تجربة أنس عبد الصمد من تداخلا ثقافيا وتعدد في الاسلوب الإخراجي المتعدد  الذي اعتمده المخرج فهو يعتمد الجسد لغة للعرض المسرحي ، والداتاشو في توضيح عملية التكاثر عن طريق الذباب وربطها بالتكاثر الانساني في الوقع ليصف عملية الموت المتكررة ، كذلك الصمت الذي هيمن على العرض منذ البداية ، والتعري والاستنساخ وكأنها يوضح لنا تراكمات نالت من وجودنا الانساني ، فهو يستخدم الجسد والصورة المسرحية ولم يتوقف عند ذلك في استخدامه المجاميع كانت العنصر الاهم في تجسيد العرض المسرحي ، كذلك الفضاء الذي شكله بفتح خشبة المسرح الوطني على مصراعيها ليشكل فضاء عرضه المسرحي .

ان الاسلوب الذي اختاره (عبد الصمد) لاينتمي الى اسلوب واحد بل عمل على تداخلا في الاساليب سوى كان ذلك التداخل في الاخراج او الاداء باستخدامه كل تقنيات العرض الحديثة كلغة توصيل اعتمدها في المعالجة الاخراجية والتي تمخضت عن انتاج عرض (هجين) اعتمد وتأثر بأساليب اخراجية جديدة متخذا من التقنيات الحديثة اساسا في توصيل لغة العرض والتي كانت مغايرة عن العروض العراقية التي البانتومايم  والتي سجلت في ذاكرتها اسماء كثيرة منهم (منعم سعيد ،  ومحسن الشيخ ، واحمد محمد عبد الامير ، وانس عبد الصمد )ليكون لهذا العرض خصوصية في اسلوبيه الاخراج في تناوله الواقع .

لقد تنوعت الاساليب الاخراجية في المسرح العراقي بتعدد تلك الاساليب فعمل المخرج الشاب (محمد مؤيد) حيث يبحث مؤيد في ايجاد خصوصيه لعروضهالكيريوكرافية متأثرا بالرقص الحديث وقد سبقة في ذلك (طلعت السماوي) بالعودة الى الموروث الشعبي معبرا فيه عن الانسان المقهور وهمومه فقد تبنى اسلوبا جديدا للعرض الحركي أطلق عليه ( الرقص الدرامي) ويعتقد في هذا النوع من المسرح أن المحرك بين الفعل والصراع الدرامي هو الجسد المعبر من خلال حركات الراقصين فهو يحاول التركيز على الاختلاف الذي يولد تكاملية العرض المسرحي ، فهو يحاكي الثقافة العراقية بلغة  الجسد كون الجسد في هكذا عروض هو القائم على انتاج المعاني والرموز والدلالات ، أن مايقوم به الجسد يشكل ثورة عارمة ضد القيود المفروضة عليه لذلك تأتي أداءاته وفق حركة عالية وعنيفة وهو  يعمل وفق محيط مكبل ليتحرر ويصبح جسد منتج للمعاني ، كون الجسد هو أساس الوجود وهو الذي يمنح الوجود فاعليته وحضوره في المكان والزمان .

لقد عمل المخرج العراقي المعاصر على اعلانه موت المؤلف ،وفق  قراءات المتعددة للنص واستخدامه التشكيل الصوري ورفضه كل القيم والتقاليد الكلاسيكية السائدة في المسرح واحلال قيم جديدة تحاكي متطلبات العصر الحديث بطريقة فلسفية تمنح العرض المسرحي صفة الجمال في استخدامه التقنيات الحديثة التي طرحها العصر الحديث من تكنلوجيا متطورة ، كذلك استخدامه الاماكن المفتوحة أو أي حيز يمكن أن يتحول الى مكان عرض كما في تجربة المخرج الشاب (عباس رهك ) الباحث عن تعددية الفضاء وتداخل تلك الفضاءات وفق رؤية اخراجية حداثوية فتجد تجربته بين النهر والمحطة وأثار بوريسيا في خلق فضاء رؤيته الاخراجية ، معتمدا الابتكار لغة للمسرح المعاصر وهو يبحث عن المكان المغاير البصرية وفق مفهوم تشكيلي ، فهو يشكل سينوغرافيا العرض وفقا لنص العرض على المكان والبيئة التي تم اختيارها بحيث تتولد الصورة من خلال ذلك المكان رغم جهوزيته .

وفي ضوء ما سبق  يتضح لنا أن التجارب المسرحية الحديثة هي سباق بين عناصر العرض في بث  دلالاتها ومعانيها وأهتمامها في عملية البناء الدرامي متداخل بعدة أساليب فمنها من زاوج بين الصورة المسرحية ولغة الجسد عبر التقنيات الحديثة ومنها من ومنها من زاوج بين اللغة المنطوقة والتمثيل الصامت والرقص ، ومنها من راح ابعد من ذلك ليتخذ من الجسد والكلمة المنطوقة والبيئة المفترضة للعرض المسرحي ، بحثا عن اسلوب اخراجي هجين لا يمكن أن ينسب الى مدرسة اخراجية واحدة ، حيث تعددت وتداخلت فيه المناهج الاخراجية ،  وهذا التداخل في من الايجاب وليس السلب على منظومة العرض المسرحي المبتكرة من خلال رؤى وتطلعات المخرجين الشباب لخلق حالة مغايرة للخروج عن التقليدي والسائد في تنظيم العرض المسرحي واعطائه الشكل المعاصر .

أما تجربة الاخراجية في العرض المسرحي (شابلن) للفنان (أنس راهي )  فكان لها الخصوصية في التداخل في الاسلوب الاخراجية معتمدا ، التمثيل الصامت والكلمة المنطوقة والصورة المسرحية بواسطة (الداتاشو)  وربطه لما يدور في الشارع العراقي من احداث بطريقة ساخرة والتي أظهرت شابلن العراقي بعدة شخصيات مفترضة من قبل المخرج ، فهو يعتمد التعبير الصوري تارة وتارة اخرى يعتمد التعبير اللفظي المنطوق من قبل الممثل واستخدامه الجسد الغروتسكي الذي كان مرتكزا لبناء العرض بقيادة التحولات ، حيث اهتم العرض المسرحي (شابلن) في هيمنه الصورة البصرية في مناقشة قضايا الواقع العراقي  في تشكيل فضاءات متعددة ، فقد وظف المخرج كل عناصر العرض ليكون لكل عنصر منها اسلوبه المختلف في عملية الانتقال من مشهد الى اخر ، بالإضافة الى الحركات التي امتازت بالسرعة سوى كان ذلك في اداء الممثلين أو في تكوين الصور التي شكلت فضاء العرض .

وفي تجربة عراقية شبابية جديدة للمخرج (مصطفى الركابي ) في مسرحية (تحوير) لمؤلفها علي الزيدي فقد ناقش العرض قضية مهمة وجريئة مستحضرا أساليب متعددة في  المعالجة فكان للرقص ، والصور الكاريكاتورية عبر الداتاشو ، والسينما في استخدام الكامرة في تصوير مباشر معتمدا التكنلوجيا الحديثة المرافقة لاداء الممثلين ، ومع جراءة النص وتبنيه المسكوت عنه في تخطيه كل التابوات الا ان معالجة المخرج للعرض جعلت من العرض وكأنه يحاكي منطقة الخيال التي لاتنتمي الى الواقع ، هروبا من سلطة الواقع الحالي ، وكان لمنطقة الاداء التمثيلي اسلوب متعدد هو الاخر حيث كان الاداء التمثيلي في العرض يختلف من شخصية وقد اتبع المخرج طريقة سينمائية في الانتقال من مشهد الى أخر في محاولة لمعالجة ربط موضوع العرض .

وفي العرض المسرحي (جعبان) لتجربة المخرج حازم عبد المجيد فهو لا يختلف في الرؤية والمعالجة الاخراجية عن عروض شبابية شكلت بصمة ابداعية كبيرة في تناولها الواقع العراقي حيث عمل المخرج على ان يحمل العرض اساليبا متعددة في الطرح باستخدامه لغة الجسد في عملية الترميز التي هيمنت على العرض والرقص والكلمة المنطوقة ايضا ليخلق لنا صورة متعددة هي الاخرى ومتداخلة من حيث نوع الاداء وطبيعة الرؤية الاخراجية لهذا العرضالمفترض في محاكاته للواقع .

ومن خلال ما تطرقنا اليه من عروض مسرحية شبابية أسهمت في تفعيل المشهد المسرحي العراقي لجيل قد يكون متقارب في الرؤى والطروحات والمعالجات الاخراجية هم جيل من مخرجين شباب عراقيين استطاعوا  أن يسهموا في رفد الحركة المسرحية بأعمال كانت لها خصوصية في الطرح واسلوب المعالجة ، لكن هناك تجربة تميزت كثيرا في المعالجة الاخراجية ولابد من ذكرها هي تجربة (سجادة حمراء) للمخرج السينوغراف (جبار جودي) هذه التجربة التي وضعت بصمة كبيرة في تنوع الاداء وتداخل الرؤى الاخراجية ، والتي قدمت على قاعة (كولبنكيان) عام 2014 ، حيث عمد المخرج جودي أن يكون العرض متنوعا بكل لوحاته وتشكيلاته البصرية ، الا ان هذا التنوع كان من القوة اذ امتلكت كل لوحة من لوحات العرض خصوصية وتميز ، وهذه الخصوصية والتميز أعطت للعرض لون خاص ، في منحه للمتلقي في حرية التفرج على أي لوحة ويأخذ وقته الذي يريد ، ويمكن ان يكون مشاركا شأنه شأن أي عنصر من عناصر العرض ، واجتماع الفنون اكثرها داخل قاعة العرض منح بعدا اخر للمتلقي بأن يشاهد الفن السينمائي والفن التشكيلي والموسيقى من خلال منظومة العرض ، فالإخراج في تجربة جودي كان ساعيا الى تثبيت فاعلية المغايرة من خلال خروجه عن تقاليد العرض المألوفة في مغادرة العلبة الايطالية الى قاعة معرض للفنون التشكيلية (قاعة كولبنكيان) الامر الذي وضح للمتلقي بأن المخرج كان مدركا بما يقوم به في تحديد أهدافه وكان واعيا في استخدامه للمكان ، بطريقة المعرض التشكيلي لا بطريقة العرض المسرحي .

تضمن العرض أحدى عشر لوحة (مشهد) وكانت كل لوحة مشهديه تعادل عرض بأسلوب معين وقد حدد العرض بساعتين بحيث يمكن للمشاهد أن يأتي في الربع ساعة الاولى أول الاخيرة كون زمن كل لوحة لايتجاوز الدقيقتين او الثلاثة دقائق ، كان العرض المسرحي (سجادة حمراء) يحتوي على فعل التداخل الواضح في الاساليب وقد بنى برمته على اسلوب (التهجين) كذلك الاداء التمثيلي كان متنوعا هو الاخر بفعل تنوع اللوحات وما وصلت من افكار ، فتنوع كل لوحة ادى الى تنوع التعبير ومن ثم اختلاف الاداء من لوحة الى اخرى ، فقد عد هذا العرض الادائي من عروض ما بعد الحداثة بسبب احتوائه على الكثير من الامور التي جاءت بها ، ومنها غياب النص الذي يحمل فكرة مركزية وحضور افكار ومواضيع كثيرة ومتشضية ، وكذلك اعتماده التعبير الصوري وغياب التعبير اللفظي ولم تتحد لوحات العرض بفترة زمنية واحدة ، ثم حضور الكثير من المتناقضات في فضاء اللوحة الواحدة .

ومن خلال ما تقدم نستنتج أن العروض المسرحية العراقية المعاصرة تميزت بانها ناقشت الواقع العراقي بأساليب  اخراجية متداخلة ولم يقتصر ذلك على الاخراج فقط بل حتى بالأسلوب الادائي والصوري ، وحصول تناصات في العرض المسرحي العراقي مع مخرجين عالمين ، واشراك المتلقي داخل لعبة العرض المسرحي ، والخروج عن شكل العرض المألوف ، واستعارة فضاءات فنية اخرى متعددة كالسينما والموسيقى والصور الفوتغرافية ، والعرض المسرحي العراقي استثمر العملية التواصلية التي سببها الانفجار التكنلوجي المتطور والذي تسبب في التداخل الحضاري بين المجتمعات والانفتاح على الاخر ، كذلك غياب التنميط الذي يعني وجود اسلوب اخراجي منمط في اغلب العروض السابقة ،كما أن وعي المخرج العراقي وسعيه لبناء عرض مسرحي تحضر فيه كل انواع الفنون وادراكه لأهمية التداخل لأهداف جمالية وجذابة للمتلقي .

فاذا ما اردنا وضع الحلول والمعالجات  التي يعاني منها المسرح العراقي لابد من دعم هذه الطاقات الشبابية التي اخذت على عاتقها عملية ترصين العرض المسرحي وجعله يواكب التطور والتقدم التكنلوجي دون التفكير بالمناطيقية فالنماذج المختارة في هذه الورقة هي نماذج عراقية مثلت المسرح العراقي في كثير من المحافل وأن تكون هناك لجان مشاهدة لهذه العروض المتميزة وادخالها في عملية (ربرتوار)  مسرحي  في موسم معين لا ان يعرض العرض العرض المسرحي لمرة واحدة او مرتين ، كي تستمر فاعلية المخرج العراقي في رفد الثقافة العراقية بعروض مسرحية تواكب العصر ، ولاضير أن تسمي الفرقة الوطنية للتمثيل مخرجيها وتختار من هذه النخبة المتميزة اسماء يحملون اسم الفرقة الوطنية العراقية ، بدلا من بعض العروض التي قدمت وهي لا تستحق أن تدخل في قاموس المسرح العراقي ، وان تنتبه وزارة الثقافة الى هذه الطاقات الابداعية بالعمل على تسويق هذه التجارب  من خلال اقامة المهرجانات المتكررة في كافة مدن العراق ، وان لا تختصر المشاركة في المهرجانات العربية على مجموعة معينة تحتكر تمثيل العراق في المحافل الدولية والعربية وان يكون هناك معيار في تبني تلك العروض لا على سبيل المشاركة فحسب بل على سبيل الانتاج .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]) ينظر : علي عباس الربيعي،الهوية والممانعة،مجلةقراءات،العدد (1) ،تصدرعن هيئةالفكرمركزالدراسات التخصصية،2010،ص17.

[2]) نك كاي ، مابعد الحداثة والفنون الادائية ، ت: نهاد صليحة ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، 1999، ص 96_102.

 

الخشبة : خاص

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

شاهد أيضاً

المسرحيات القصيرة بين النص والعرض / حليم هاتف ورقة مقدمة في الندورة الفكرية لمهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة

 يمكن التأشير بالنسبة للمسرحيات منذ بداياتها الاولى حتى زمن نهاية الحداثة على انها تابو مقدس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *