العرض الأول لـ«دبوس الغول» من إخراج الطاهر عيسى بلعربي: المرأة نور ينير دروب الوطن المظلمة / مفيدة خليل

جريدة المغرب

اليكِ كلّ التحايا اليكِ قرابين الحب علكِ تصفحين وتسامحين عن الوجع الذي كتبته العادات والتقاليد، منكِ نطلب الصفح والغفران علّ ورود الامل

تزهر من جديد، اليكِ انتِ أيتها المرأة واهبة الحياة والجمال كل رسائل الامتنان لتحمّلك وجع مجتمع ذكوري يراكِ مجرد جسد وينفي عن روحك هكذا كان البوح على الركح.

فالمسرح فرصة لنكتشف ذواتنا، وهو وسيلة للتصالح مع الذات وكشف الستار عن الأركان المظلمة داخلنا ومحاولة إخراج الوجع إلى العلن والبوح دون خوف أو جبن هكذا تكون «الضية» في مسرحية دبوس الغول مونودرام من تمثيل منال عبد القوي واخراج وسينوغرافيا للطاهر عيسى بلعربي في العرض الاول الذي احتضنه مسرح الجهات بمدينة الثقافة مساء الجمعة3جانفي 2020.

«دبوس الغول» صرخة ضد الذكورية
الوجع نسائي بامتياز، «دبوس الغول» رحلة جندرية وسوسيولوجية وهي دراسة للعديد من الظواهر التي تعيشها المرأة في المجتمع التونسي جميعها أحداث ووضعيات يعايشها المتفرج انطلقت من ذاكرة «ضية» الشخصية المحورية التي تعود إلى ذاكرتها وتنبش الوجع فيها، وجع يشاركها فيه الجمهور، وجع المرأة وعذاباتها وهي عذابات الأنا والانت والانتنّ فكل الحاضرات في المسرح يتشاركن في جانب من الوجع والضيم مع شخصية الضية.

بين الوجع والمقاومة ،بين الفرح والترح بين قسوة المجتمع وقوة ضية تدور أحداث المسرحية، عمل يحلل مجموعة من العادات ويكون بمثابة الدراسة الانتروبولوجية الناقدة لظواهر نعيشها في المجتمع التونسي تتعلق بالنظرة الدونية للمرأة رغم تفوقها ونجاحها.

اختيار اسم الشخصية الرئيسية لم يأت من الفراغ بل هو رسالة قوّة وصمود للمرأة التونسية التي تحارب الأفكار الرجعية والمعتقدات البالية «الضية» اسم مقتبس عن «دهية» وهو اسم المرأة الملقبة بالكاهنة البربرية ومن قوتها وصمودها أخذت ضية بعض تفاصيل القوة ومحاولة إثبات الذات أمام قسوة المجتمع وميله إلى حصر المرأة في خانة الجسد ودورها الرئيسي إنجاب الأولاد والاهتمام بالذكر كما حدث لضيّة الناجحة التي أولي إليها الاهتمام بأخيها اللامبالي.

في «دبوس الغول» وهو عنوان المسرحية وهي نوع من الحلوى عادة تعبر عن الحب فاسمها بالفرنسية يعني ذلك pomme d’amour، وهي حلوى تشكل تفاحة مغلفة باللون الأحمر وهي عنوان للمرأة المغلفة بالجمال والبهاء والشبق، امّا في مجتمعنا فتصبح عنوان للمرأة المغرية التي يرون جسدها وينسون انّ لها روحا وقلبا مثل الرجل، وبين هذه المتناقضات تعيش الضية فهي الباحثة عن كينونتها وفي الوقت ذاته تنصاع لاوامر أمّها ووالدها وتهتم بشقيقها وتخاف من المجتمع ومن جبروته، وبين عالم القوة وعالم الخوف تصرخ الضية وتثبت أنها امرأة قادرة على رفض قرار تزويجها والحفاظ على عهدها لحبيبها «نوّار» قرار وجرأة يكونان رديفا للضية بعد قرار مواصلة تعليمها.

ففي المسرحية تنتقل الممثلة منال عبد القوي من شخصية إلى أخرى ومن مشهد إلى آخر بكل حرفية ووسط الوجع والترح تنتصر إلى المرأة، تنتصر للضية القادرة على إثبات ذاتها وسط العادات البالية والتقاليد المتهرئة فجميعنا «الضية» داخلنا شخصية متمردة ترفض الانصياع للأوامر الفوقية وهي أنثى متمردة ترفض السلطة الذّكورية وتؤمن أنها إنسان.

السينوغرافيا وأداء الممثل يحاكيان وجع المرأة
موسيقى قوية مع صراع الألوان وتراقصها كأنها لحظة غليان داخلي تعيشه الشخصية في أقصى الركح طاولة بيضاء وامرأة فوقها تنتفض كمن يريد الهروب من شيء ما، رجل بلباس الأطباء يمسك يدها، يضع حقنته تلك قبل أن يرتخي الجسد وتبدأ الحكاية، فالشخصية تحمل الجمهور إلى عيادة طبيب نفسي وهناك تنوّم مغناطيسيا لتبدأ في سرد قصتها ومعها قصص النساء وأوجاعهنّ في هذا المجتمع فكان النص موجعا والأداء جدّ متقن وتماهى المتن بالمعنى لتكون «دبوس الغول» مسرحية ناقدة ولدت من وجع امرأة وقدمتها على الرّكح امرأة.

«ضيّة» مرا تونسية، ضيّة هي الأنا وألانت ضيّة أنثى دفعت ضريبة جنسها الذي ولدت به، ضيّة تعود بالذاكرة والذكريات فتحمل معها المتفرج إلى طفولة فتاة كانت متميزة في دراستها، اجبرها والدها على الانقطاع عن الدراسة فقط لأنها حادثت «ذكرا» لولا تدخل معلمها لما أكملت تعليمها.

بعدها ترحل إلى ذكريات اشد وجعا إلى «التصفيح» و«الزبيب» وما عاناه جسدها الطري من وجع وعلق بالروح من الم لم تمحه السنون، حادثة التصفيح تُنقل بلعبة الضوء والموسيقى ومن خلف الستار الأبيض تجلس الممثلة القرفصاء وهي تحاول الصراخ، صراخها وصوتها القوي تحاول معه تجاوز صوت الموسيقى وكأنها تعبيرة عن صدق الوجع الذي عانته «ضية».

في «دبوس الغول» تكون السينوغرافيا رافدا للإبداع، فالضوء الذي اشرف على تنفيذه المبدع شوقي المشاقي كان نصيرا لحركات الممثلة السريعة، الضوء كان وسيلة للغوص في تفاصيل الشخصية، أما الموسيقى فكانت مختلفة موسيقى تنبع من الذاكرة موسيقى أهازيج الجدات في القرى الامازيغية ولكل مشهد ذكرياته وموسيقاه فالمرأة الامازيغية كانت تضع لكل مناسبة أغنيتها وفي المسرحية كانت الموسيقى لوحدها بابا للابداع يمكن ولوجه والاستمتاع بتفاصيله التي ابدع في حياكتها الطاهر عيسى بلعربي، في المسرحية ايضا استعمال لتقنية «المابينغ فيديو» في مشاهد استرجاع حدث ما، ففي العمل تكاملت عناصر السينوغرافيا مع اداء الممثلة لتقدم عمل مسرحي متكامل يحاكي وجع المرأة وقصصها.

«دبوس الغول» مسرحية ناقدة، عمل غاص في تفاصيل المرأة وذاكرتها وقدم إلى الجمهور وجع قد تخفيه المرأة لسنوات إلى حدّ ان يصبح كابوسا إلى حين لحظات الانفجار، على الركح كوميديا مغلفة بالوجع، ضحكة تخفي داخلها الكثير من الدموع، دبوس الغول مسرحية عن الحلم والحب والوجع والحياة ابدعت في تفاصيلها منال عبد القوي وكان العمل صورتها على المرآة.

المسرح التزام بقضايا الوطن
المسرح كتعبيرة فنية حية ليس منعزلا عن هموم الوطن وقضاياه، والمرأة في المسرحية تكون عنوانا للوطن وفي «دبوس الغول» اختار كاتب النص الانحياز الى شهداء الوطن والتذكير ببطولاتهم ودمائهم حتى تبقى تونس حرة ومنيعة عن الارهاب.

في المسرحية لم يكن اختيار حبيب الضية اعتباطيا فاسمه «نوّار» من الورد والنور والورود وإذا ذبلت تبقى حية في قلوب محبيها،كذلك «نوار» وان اختطفه الموت يظل عنوانا للبطولة، فنوار هو كل شهداء هذا الوطن، نوار في المسرحية عسكري يعمل في الذهيبة، بعد زواجه مباشرة يغادر الى العمل لكنه يستشهد بلغم، وحين تتذكر «الضية» ما حدث لنوار تظهر على الشاشة صور عديدة لشهداء الوطن من المؤسستين الامنية والعسكرية، فالمسرحية تذكر ببطولات من استشهدوا لأجل تونس، تذكر باسماءهم وصورهم لتظل راسخة دائما في ذاكرة المتفرج، هي تعبيرة فنية لتخليد شهداء الوطن وتؤكد أن المسرح التزام بالهواجس الجماعية للتونسيين وليس فعل فني منعزل او منطو على ذاته.

وفي الوقت ذاته تهنئ زوجة الشهيد أو أخته وأمه بتلك القوة الجبارة التي كسبتها، تهنئها بصبرها وجلدها أمام أخبار الموت المتلاحقة فتنتصر إلى المرأة التي دفعت حبيبا او ابنا قربانا للموت لأجل بقاء تونس قلعة حصينة ضدّ الإرهاب والارهابيين.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

مفيدة خليل

ناقدة وصحفية من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق