مقالات

العرض الأول لمسرحية «الأرامل» بقاعة الفن االرابع «لا خوف على وطن… نساؤه قويات : مفيدة خليل

هنّ الوطن، هن الحُلمُ و الحلم، هنّ الامل، هنّ ثورة متواصلة ونيران غضب متاجّجة لا تهدئ هنّ رمز للمطالبة المتواصلة بالحق، هن الغاضبات كموج البحر و الحليمات كتراب هذه الارض،

هنّ في كل مكان عنوان للحياة وامل متجدد بالتغير، هن اللواتي يكسرن بوتقة الخوف والحزن وهن رمز قوة الرجل ألم يقال «وراء كل رجل عظيم امرأة عظيمة» هكذا كنّ في مسرحية الارامل في عرضها الاول. «الأرامل» عمل للمخرجة وفاء الطبوبي وتمثيل نادرة التومي ونادرة ساسي وفاتن الشوايبي موسيقى صالح الشرفي وتوظيب عام لسلمى الاجنف، المسرحية مهداة الى كل النساء أينما وجدن مهداة الى الكادحات الصادقات المتمسكات بحقوقهن.

المراة فكرة لا تموت…
صوت هدير الامواج المضطربة يصم الآذان لوهلة يشعر المتفرج انه على حافة البحر، ضوء اصفر يقسم الركح إلى نصفين وللأصفر عادة رمزية الضياع والارق وهو أيضا يرمز الى السقوط كما اوراق الخريف، ثلاث نساء يتحركن في اضطراب جيئة وذهابا، ثلاثتهن يلبسن فساتين سوداء، فالفستان دليل الانوثة و الجمال وفي الأسود رمزية الى الظلام والحزن، يتحركن في اضطراب ثم تخرج كل واحدة تحمل غطاءا أبيض كبيرا، تتشاركن في طيه، مرة باحكام ومرات بسرعة تدل على الخوف، الأبيض هو رمز «الكفن»، فثلاثتهن يحملن أكفان رجالهن وينتظرن ان تلفظ الامواج أجسادهم لدفنها.
الأرامل في عرضها الاول مسرحية مأخوذة عن رواية تحمل نفس الاسم للكاتب التشيلي الارجنتيني الاصل اربيل دورفمان مسرحية وقد صدرت ترجمتها العربية عن دائرة الثقافة والإعلام – الشارقة، وأنجز الترجمة علي كامل وكتب لها مقدمة، وتندرج هذه المسرحية ضمن «ثلاثية المقاومة» مع مسرحية «الرقيب» 1990 و«الموت والعذراء» (1991 وهذه الأخيرة ترجمها علي كامل عام 2005، وصدرت عن دار المدى.

وتنقل المسرحية في نسختها التشيلية ما يسود من قمع واضطهاد للأصوات الحرة في أعقاب الحروب الأهلية التي تشعلها الأنظمة الشمولية المستبدة ورديفتها الأوليغارشية المستأثرة بالسلطة وثروات البلاد، «ارامل» وفاء طبوبي هن ايضا يحملن نفس الفكر، و دفاع المرأة المستميت عن حقها في جثة زوجها ونقدها اللاذع للنظام ولجبروته وقسوته، هنّ ثلاثة، لكل واحدة منهنّ فقيد، بعد مرور 10دقائق تتحدث كل واحدة عن علاقتها بصوت البحر وموجه، ليعرف الجمهور حكايتهن، فاصغرهن» تنتظر جثة والدها المعلم الذي صرخ وقال «لا» اما ظلم البولبس والحاكم، فاختطف من قسمه وأمام تلاميذه وزج به في غياهب السجون وبعد موته رمي به في عرض البحر، الاخرى تبحث عن جثة شقيقها الذي وجد نفسه صدفة في مظاهرة فسجن ثم قتل اما اكبرهن سنا فهي تريد جثة زوجها، هي كغيرها من النساء تريد ان تقنع الجميع ان زوجها صادق محب لوطنه لم يخن ولم يفكر بالهرب من ترابها.

اختلفت الانتماءات والوجع واحد
ثلاثتهنّ جمعهنّ وجع انتظار جثة قد تطفو على سطح الماء، اختلفت حكاياتهنّ ولكن جمعهن الوجع والتمسك بحقهن في دفن جثث رجالهن، يتحدثن يعاندن النظام ويحاولن التمسك بحقهنّ والصمود امام الامن ورجال النظام، هنّ صورة عن كثير من النساء، فهن يرمن الى ام الشهيد، الى اخت سجين سياسي دفع حياته ثمنا لمحبة وطنه، هن زوجات مناضلي برسبكتيف، وهن اخوات طلبة رفضوا الانخراط في نظام سياسي يقدس الملك الاوحد، وهن زوجات مناضلي الحوض المنجمي، هن نسوة الرديف وسيدي بوزيد، هن جامعات الحطب في جبال سمامة والسلوم، هن قريبات مبروك السلطاني وهنّ اخوات من ضربوا بالرش في سليانة، هن رمز العبرات الصادقة والنحيب الموجع على وطن يخونه أبناؤه، هنّ امهات وأخوات وزوجات من رموا بأنفسهم في عرض البحر بحثا عن حياة اخرى وهربا من وطن يقتل أحلامهم ثلاثتهنّ مميزة، لكل واحدة حكاية لا تخصها وحدها بل تشاركها فيها آلاف النساء في هذا الوطن، على الركح الكثير من الوجع والشجن، الكثير من الوصف الدقيق لأشلاء وجثث فقدت سماتها وهويتها، جثث تبحث فقط عن متر من التراب يغطيها.
في «الارامل» غاب الديكور، اجساد الممثلات كانت هي ديكور العمل، اصواتهنّ نشيجهنّ وحركتهنّ عوضت كل المؤثرات الجانبية والاضافات المشهدية باجسادهنّ كتبن ملحمة عرض مسرحي نسوي يؤمن بالمرأة وريادتها يؤمن ان المرأة فكرة لا تموت.

لكم الشظايا ولنا وطن نبنيه كما نشاء
صوت موج البحر يرافق المسرحية كاملة فهو الميزة الاساسية للعرض، وللبحر رمزية الغموض و الخوف والامتداد احيانا كما احلام اولئك النسوة، بالاضافة الى صوت هدير الامواج هناك صوت لإطلاق النار وصراخ الامنيين «شد دارك، بره روح» ، خليط من السباب ينعش المستمع حتما ليتأكد انه في تونس ويتعامل مع الامن التونسي، ثلاثتهن متمسكات بالحق في دفن جثة قد تلفظها الأمواج، ثلاثتهن جمعهن الوجع مع الكثير من الامل في تونس، ففي نهاية العمل تتحد اصوات النسوة وهن يطالبن البوليس بمغادرة المكان ويطلبن من كل خائن وخائف أن يترك الأرض للحالمين فقط ليزرعنها املا سيزهر وطنا اجمل، في نهاية العمل يؤكدن ان الوطن باق، ويعدن الخونة بشظايا بلد أو فتات ولكن الوطن الاجمع لابنائه الصادقين فكل المشاكل هي مجرد محن لمزيد التمسك بالحق في تونس الافضل.

في «الارامل» كانت الرسائل مباشرة وجهت مباشرة الى النظام الحاكم ورجاله، نقد واضح الملامح للسياسيين، حديث عمن قتلوا في غياهب السجون ولفهم النسيان، عمل يدعو إلى عدم النسيان والنبش في الذاكرة والبحث عن التاريخ الصحيح لا الذي كتبته الايادي المرتعشة الموالية للنظام، في «الارامل» دعوة الى الوحدة لأجل الوطن والمرأة هي الوطن.

 

المصدر : المغرب

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

مفيدة خليل

ناقدة وصحفية من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق