دراسات

المسرحيات القصيرة بين النص والعرض / حليم هاتف ورقة مقدمة في الندورة الفكرية لمهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة

 يمكن التأشير بالنسبة للمسرحيات منذ بداياتها الاولى حتى زمن نهاية الحداثة على انها تابو مقدس لا يمكن المساس بآلية تشكيله وهيكليته ومضمونه

حليم هاتف
حليم هاتف

، وقد تعرض الكتاب المحدثون الذين حاولوا العبور على البنية الارسطية لتمرير محاولاتهم الساعية الى ضرب تلك البنية الى الكثير من المسائلة واخضاعهم للعودة الى الاصول الارسطية الواجبة ، وافضل الامثلة على ذلك ما فعله البير كورنيه في مسرحية (السيد) من قبل الاكاديمية الفرنسية ، ثم ما تعرض له فكتور هيغو في مسرحيته (هرناني) الى موجة من النقد الفرنسي وكذلك ابسن النرويجي في مسرحية (بيت الدمية) الا ان كل تلك المحاولات كانت مفتاحا مهما  لكل ما حدث لاحقا من ترتيب افق النص المسرحي المعاصر، ” ان كتاب المسرح المحدثين وهم يستغلون وحدة المسرحيات القصيرة وما فيها من اقتصاد ورسم دقيق للشخصيات ، ما زالوا مستمرين على استنباط الاشكال المختلفة لهذا الفن المسرحي الجديد وكتابة المسرحيات القصيرة ابتداء من الفودفيل التقليدي الهزلي الذي تمثله مسرحية ( عرض زواج ) لتشخوف و ( الراكبون الى البحر ) التراجيدية المعروفة التي ابدعها سنج وايحائية بكت (فصل بلا كلمات) او مسرحية أونيسكو ( المغنية الصلعاء ) وليس عسيرا ان تميز المسرحية القصيرة كي يعرف محتواها من خلال ما فيها من ايجاز وما تتركه من اثر معين على المتلقي او من خلال مرونتها في علاج الموضوعات المطروحة ” ([1]) ،  لاسيما بعد موت الحداثة ، وظهور ما بعد الحداثة التي تتموقع ضمن فضاء العولمة والسوق والاقتصاد ، والتي احالت كل الاشياء الى ممكنات سلعية خاضعة للعرض والطلب حالها حال اي سلعة ،  فقد كان تيار ما بعد الحداثة تيارا اطاحياً بكل ما طرحته الحداثة واهتمامها بمركزيات الاشياء والافكار ، فضلا عن اهتمامها بمركزية الشخصية الواحدة ، وحضور ايديولوجيا واحدة ، والكثير من الاسس التي تميز الحداثة عن ما بعد الحداثة بكون الحداثة نسقية ثابتة مكرره ويمكن قراءتها وتوقعها  ، الا ان الفن ما بعد الحداثي هو فن لعبي ، مراوغ ، جذموري ، لا يهتم بالأعماق ويمكن ان يكون فيه اي شيء عبارة عن نص ادبي يمكن قراءته قراءة نقدية او فنية خارج سياقات الفن الحداثي ،  فقد استثمر العرض المسرحي الما بعد حداثي تلك النصوص القصيرة التي تتوائم مع روح العصر وسرعته ومميزاته التكنولوجية والانفتاح الحضاري الراهن عبر منتجات تلك التكنولوجيا المتمثلة في  تشكيل تلك العروض وزمنها العرضي ، بمعنى ان روح العصر ومميزاته التي تختلف عن مميزات تلك العروض والنصوص التي قدمت بالأمس ، بكونها تمتاز بقصر فترة العرض المسرحي ، ثم انها تهتم بالصورة اكثر من السرد ، فنحن نعيش في عصر الصورة وفق ما قاله فيلسوف ما بعد الحداثة ( بودريارد) الذي يقول ان العالم عبارة عن صورة عن صورة عن صورة عن صورة ، ما يعني ان النص المسرحي الراهن وبناء على ما جاء به يهتم بالصورة اكثر من القول الملفوظ ، او ان العرض المسرحي اليوم يأخذ باستثمار كل ممكنات التكنولوجيا الصورية التي تساعد على ان يقدم صورة مسرحية تختصر الكثير من الحوارات ، لهذا نجد ان النص المسرحي القصير هو نص معاصر ونص يهتم بسرعة العصر وملائم لها ، فأن روحية العصر تفرض تشكلها الذي ينصب في عروض مسرحية ونصوص مسرحية ، تعبر عن روحية الحاضر ،  فلا يمكن للمخرج او المؤلف المسرحي ان يقوم بكتابة نصه خارج سياقات العصر الذي يعيش فيه ،  ولهذا فان روح العصر تفرض حضورها على فضاءات العرض المسرحي وقبله النص بشكل اكيد ، ولهذا نرى ان الزمن الذي نعيشه له تأثيرات فائقة وكبيرة في تشكيلات النصوص المعاصرة ، فالسرعة والتكنولوجيا المعاصرة فرضت على النصوص المسرحية قصرها وطولها ، وهو بدوره انتقل الى تحديد طول وقصر العرض المسرحي مراعاة ليوميات الفرد المعاصر الذي يعيش عصرا متسارعا في كل شيء ، فضلا عن تأثيرات الاقتصاد العولمي التي جعلت من النص المسرحي سلعيا شأنه شأن اي شيء تعرض لتطورات العولمة والتكنلوجيا .

ان منظومة القيم الاجتماعية قد تبدلت واطيح بالكثير منها وحلت محلها قيم جديدة تتوائم مع روح الحاضر واليات تكويناته التي تميزه عن غيره من العصور التي امتازت بواحديتها وايديولوجياتها الواحدة ، لذا نجد ان آداب وفنون ما بعد الحداثة لها ما يميزها عن فنون سبقتها ،  كونها نصوص تهتم بالشكل اكثر من المضمون ، وتهتم بالجسد اكثر من الملفوظ ، فضلا عن الجوانب التشكيلية والصورية التي تعتمد الاختزال والتكثيف والترشيق ،واعلاء الهامش والاطاحة بالمركز ، لهذا نجد ان روح العصر تتطلب ان لا يكون النص المسرحي نصا طويلا لأنه يخالف سرعة العصر ،  فقد حفل تاريخ النص المسرحي بكل تمرحلاته بنصوص حافظت على نفس الوتيرة بدأ من الكلاسيكية مرورا بالرومانسية والواقعية والتعبيرية بل وحتى في مسرح اللامعقول في نصوص ( بيكيت ، يونسكو، أداموف ، هارولد بنتر ) وغيرهم ، فأن هيكلية النص اعتمدت الطول وليس القصر ، برغم اقتراب انتاجها من راهننا وحاضرنا ، الا ان ذلك لا يعني عن فتح المجال الى تقصير وترشيق زمن النص المسرحي ، كما ان التكنولوجيا ودخول السينما واستخدام التقنيات الحديثة  في  العرض المسرحي  اختصر الكثير من الامور التي تطلبت في السابق ملفوظات مطولة لإيصال المطلوب والمبتغى منها في النص والعرض معا ،  فطول النص وقصره  تابع لأهمية المتوافر من تكنولوجيا وهي عملية متبادلة ما بين النص والعرض ، فقد ينال القصر النص قبل العرض وقد ينال القصر العرض وفق رؤيا اخراجيه يرتئيها المخرج وعلى سبيل المثال لا يحتاج لرؤيته نص هاملت بأكمله  في طرح قضية من الواقع الذي يعيشه المخرج   ليطيح  بكل المشاهد التي احتواها نص هاملت ، عدا ما يخدم فكرة المعد النصية ، او رؤيا المخرج العرضية  ، والا ماذا نفسر نص هادي المهدي ( هاملت تحت نصب الحرية ) فهو يختزل حكاية هاملت بتقنيات متعددة ليحيل ثيمات هاملت الى الواقع اليومي .

ويمكن ان نجد محددات اخرى تستطيع ان  تتحكم بطول النص او قصره ، وهي الفكرة نفسها التي يريد الكاتب كتابتها ، لا سيما في مسرحيات الفصل الواحد التي كانت نمط مهم من انماط النص المسرحي وقد كتب في هذا النوع الكثير من كتاب المسرح العالمي ومنهم ( بوشكين في موزارت وساليري ، وستريندبيرغ في مسرحية الاقوى ) وغيرها من النصوص، او في نصوص المونودراما وهي نمط مسرحي اخر ، فهي مسرحية الصوت الواحد / الممثل الواحد الذي يقوم بتقديم الاحداث وكل الشخصيات تأتي من خلال انثيالاته وتداعياته ، ونجد ان الكاتب الكبير (صموئيل بيكيت) كتب في هذا النوع من المسرحي مسرحية (شريط كراب الاخير ) وكذلك (لأنطوان تشيخون)  في مسرحية (اغنية التم) وغيرها من النصوص العديدة ،  ان تلك الانواع من النصوص وآلية كتابتها اتاحت للكاتب اختصار فكرته في فصل واحد ، او في شخصية واحدة ، كما اتاحت للمخرج التحرر من قيود كثيرة  ، وهذا التحرر يؤدي بدوره الى ان يقدم المخرج رؤيته الاخراجية التي تلائم وعيه ومرجعياته الفكرية والثقافية .

     ” لقد تم الاعتراف بالمسرحيات القصيرة نمطا فنيا مسرحيا جديدا بعد أن تجاوزت مراحل التطور التاريخي ووصلت صيغتها العميقة والمتقدمة في عصرنا ، ففي الوقت الحاضر نجد ان المسرحية القصيرة تشكل أحد المعالم البارزة في النشاط المسرحي في عموم امريكا و أوربا بل أن المتخصصين بالمسرح من مصممين وكتاب ومنتجين ومخرجين وحتى اساتذة الجامعات المهتمين بالمسرح ، يقرون بوجود المسرحية القصيرة ولها قوة فعالة في إطار الحركة المسرحية الشاملة ” . ([2])  والمسرحيات القصيرة مثل القصيدة القصيرة او القصة القصيرة اما ان تكتب جيدا او لا تكتب لأنها ترصد جانبا يشف عن الجوانب الاخرى ، وتعالج موقفا نعرف منه حياة عالما أراد الكاتب ان يدل عليه ، فأن لم تكن الكتابة بارعة تعذر ذلك الكشف وينعكس الموضوع ليس فقط على كتابتها بل على الاخراج ايضا فهي بحاجة الى مخرج بارع يعي ويدرك ما يريد ان يقدمه وغالبا مع تعتمد في يومنا هذا على التقنية التي هي اساس اخراجها .

   فقد اتسمت نصوص المسرحيات القصيرة بطابع  (الاختزال) سواء أكانت نصا مونودراميا او نصا من مسرحيات الفصل الواحد ، والنص الموندرامي تعود امتداداته الى نصوص ادبية في تأكيد شعريته وجمالياته الشاملة والعابرة للتجنيس ، والموندراما متهمة بالتساهل مع النص ، فلا مانع ان يكون النص فيها ( مونولوج  ( monolog من فصل واحد ، أو نص أدبي يتعكز على قصة قصيرة ([3]) . والاختزال هو محور الحديث بين ما يطرحه النص القصير مقارنه بنصوص السرديات الكبرى ، فهو يعتمد اعتمادا كليا على تلك الثيمات التي تشكل اساسيات نص المؤلف او نص العرض المسرحي الذي يجتهد في تقديمه مخرج العرض ،  وبعد ان دخل النص عبر مفهوم الحداثة القائم على (الاختزال) الذي يتبلور ضمن مفاهيم ما بعد الحداثة والذي يشكل خطابا ثقافيا مغايرا لمفهوم النص  في اعلان موت المؤلف والاطاحة بالسرديات الكبرى والتشظي والتحرر من كل القيود المألوفة والبحث عن الدهشة  ، كل هذا جعل من النص القصير ان يكون له الدور الفاعل في بناء العرض المسرحي ، فلم يعد الاثر الثيمي المتعدد للنص هو الاساس ولم تعد السردية الكبرى فاعلة في منظومة العرض ، فقد أخذ النص المسرحي يتداخل ويتثاقف مع ثقافات متنوعة نحو أفاق من التجلي الانساني الكوني الذي يرفض التفرد والخصوصية ، فجاء الهامش ليطيح بكل المركزيات السائدة ، وجاء الاعتراف بالمزج والخلط والاندماج والتجانس والمثاقفة ،  ليأخذ النص المسرحي اسلوبا مغايرا هو الاخر ، ورغم ان ثيمات المسرحيات القصيرة ثيمات بسيطة لها علاقة ( بالومضة )   الا انها اصبحت المادة الفاعلة اليوم في تشكيل العرض المسرحي  معتمدة على التقنية وكل ما هو جديد في عالم التكنلوجيا  ، رغم انها  غير خاضعة لثيمات كبيرة بل ثيمات مختزلة خارجة عن السرد ، ومحتواها هو ما يخص الافعال الانية التي يمر بها الانسان ، فهي خاضعة للتحول اكثر ما تكون خاضعة للسكون ،   ثمة ما يمكن ان ندرجه وفق مفهوم المسرحيات القصيرة ، فعملية ( اعداد او توليف )  النص هي اختزال النص القائم على السرد وتحوله الى نص قصير ، فطريقة المعالجة تعتمد على المعد وطريقة اعداده وخياله ، فهو عندما يطيح بكل ثيمات النص ويأخذ ثيمة واحدة  تشكل المعنى العام للنص لا بد له ان يجيد تلك الصناعة في خلق نص اخر متداخل مع نصوص اخرى ، ليشكل تناصات تمنح النص وضع الانتاج وليس اعادة انتاج النص كما هو، وهنا يكون للتناص علاقة بين نصين النص الاول الذي كان نص شكسبير الثابت على سبيل المثال ، والنص المتحول الذي هو نص هادي المهدي في هاملت تحت نصب الحرية ، وبالإمكان ان يولد من رحم هذين النصين نصا ثالثا هجينا هو نص المخرج الذي يعتبر نص مغاير هو الاخر لنص المعد والنص الاصل  وهنا ستكون عملية الاشتباك مع المتلقي الذي يبحث دائما عن ايجاد معانى مغايرة فهو يدرك تماما مجريات نص هاملت ، ولا يحتاج الى قراءتها كونها راسخة في وعيه وثقافته ، فهو يرغب ان يكون للنص مفاتيح اخرى تختزل المفهوم الكلاسيكي لتحاكي اليومي والمتداول وهذا ما قدمه الكاتب خزعل الماجدي في نصه المسرحي (هاملت بلا هاملت) حيث اطاح الماجدي بكل مركزيات النص ليعلو من هوامشه وفق قراءة جديدة ومغايرة .

 ان حركة المسرحيات القصيرة تشكل تظاهرة فنية وحركة تجريبية استطاعت ان تشكل حضورا مهما ،  سوى على مستوى النص او على مستوى المعالجة الاخراجية التي ترافقها التقنية الحديثة والتي  تمثل لغة العصر اليوم  ، كما انها امتلكت نضجا وعمقا في اغلب التجارب الفنية ومن هذا التجارب تجربة مسرح المقهى في العراق على يد الفنان الراحل رحيم ماجد والتي اعتمدت النص القصير وتجربة مسرح الشارع التي تناولت المواقف اليومية والمتداولة والعديد من التجارب الشبابية الحديثة التي غادرت كل ما هو مألوف في تشكيل لغة العرض المسرحي وكذلك تجربة (حسين الدرويش) في المسرح الصامت هي خير دليل على نجاح تجربة زمنها عشر دقائق معتمدا عملية اختزال نصي  وتناوله لثيمة  واحدة تلامس يومياتنا وحياتنا الانسانية جعل منها تظاهي النصوص الكبيرة في الاشتغال ، فلا يمكن ان يقاس العرض المسرحي بطوله او بقصره ، بل بما يحمله من أفكار ورسالة انسانية ، فقد تكون هناك ومضة تعادل اكبر المسرحيات التي اعتمدت الزمن الطويل وهذا بطبيعة الحال يعتمد على عملية توظيف المخرج وتعامله مع عناصر العرض التي هي تمثل الجزء الاهم من ادواته ، وفق فلسفته ووعيه وادراكه لمجريات العرض المفترض .

    والمسرحية القصيرة هي نتاج حيوي مترابط ، فالتقاط جزء من تجربة مسرحية مهمة وعرض صورة كاملة من جوانبها وأثارها ، وتحليل او تشريح دافع ما منها بصورة بارعة تكشف عن جذوره خلال سياق درامي ، والقاء الضوء على سلسلة أعمال من خلال أزمة انسانية مفاجئة وقصيرة ، ورواية قصة مهمة بإيجاز وتقديم اقتراح بشأنها وكشف العناصر الكوميدية والتراجيدية لدى الشخصية _ او في نسيج الحادثة ، كل هذه تشكل امكانيات المسرحيات القصيرة خاصة اذا تمت على يد كاتب مسرحي خبير في صنعه ([4]) .

ولابد من الاجابة على التساؤل التالي ؟

أيمكن القول ان طول النص المسرحي أو قصره يفرض طريقة إخراجه ؟

   تعتمد عملية اخراج أي نص مسرحي على مخيلة المخرج والتي ترتبط ارتباطا وثيقا بعناصر العرض المسرحي ، كون عناصر العرض هي ادوات المخرج المسرحي الناجح وكيفية توظيف تلك الادوات وفق فلسفتة العرض تحتاج الى مخرج يدرك تماما ما يقوم به من عمل  ، فالإخراج المسرحي عملية ابداعية مرتهنة بعملية الاسلوب ، فالمخرج هو العارف بعملية الخلق الجمالي وهو الذي يحدد اسلوب الاشتغال ، والدراما المسرحية هي واحدة قصيرة كانت ام طويلة فهي تشكل جنسا أدبيا مسرحيا  ، وعلى المخرج ان يحدد كيفية الاشتغال مع النص الذي يشكل نقطة انطلاق فلسفته ، والمخرج في الاتجاه التجريبي اليوم يعمل وفق منطلق ان ( النص فاقد للقدسية  وقابل للحذف والاضافة ) .

ففي العرض المسرحي ( سجادة حمراء ) للمخرج السينوغراف العراقي (جبار جودي ) نجد ان هناك احد عشر نصا مسرحيا قصيرا لا يستغرق زمن العرض  ثلاث دقائق ، وكل عرض يعمل ضمن اسلوب اخراجي معين ، فنجد الكلمة المنطوقة ولغة الجسد والرقص واستخدامه ( الداتاشو) وكذلك الصور الفوتوغرافية ، معتمدا التقنية الحديثة في التأسيس الى عروض قصيرة في عملية تكاد تكون على شكل ( كولاج ) تعددت فيها النصوص وهي تحمل مجموعة من الافكار الغير مترابطة، يحاكي فيها جودي ما هو يومي ومتداول ومسكوت عنه ، ليؤسس الى عرض متكامل من مجوعة نصوص قصيرة ساهمت في اثراء العرض المسرحي المفترض ،  لذلك فأن عملية طول النص أو قصره تعتمد على المعالجة الاخراجية المختزلة لتلك النصوص  ، فلم يعد طول النص أو قصره هو اساسا في تشكيل عناصر العرض المسرحي ، فالتقنية الحديثة التي يستخدمها المخرج ساهمت في اختزال النص وترشيقه ، ومثال ذلك ان يقدم عطيل في مشهد  قتل دزدمونة من قبل عطيل بلغة جسدية راقصة لممثل وممثلة  وهما يغادران الحوار المنطوق وفق عملية ترميز مشفرة كما في العرض المسرحي ( سلة شكسبير)  الذي قدمتها كلية الفنون الجميلة جامعة القادسية قسم الفنون المسرحية ، حيث عمل المعد  على اختزال سبع نصوص لشكسبير وأخذ ثيمة واحدة من كل نص  وكذلك المخرج ومعالجاته  لعرض مسرحي استغرق زمنه عشرون دقيقة .

وخلاصة مميزات المسرحية القصيرة هي مايلي :

  • استثمر العرض المسرحي الما بعد حداثي النصوص القصيرة التي تتوائم مع روح العصر وسرعته والانفتاح الحضاري الراهن.
  • طول النص أو قصره تابع  لأهمية  المتوافر من التكنلوجيا والتقنيات الحديثة المستخدمة في العرض المسرحي .
  • ثيمات المسرحيات القصيرة ثيمات بسيطة لها علاقة ( بالشذرة ) أو ( الومضة ) .
  • اتسمت نصوص المسرحيات القصيرة بطابع (الاختزال) سوى كان على مستوى الشخصيات أو على مستوى الثيمة وكذلك الزمن ، فعملية اعداد او توليف النص هي اختزال النص القائم على السرد وتحوله الى نص قصير .
  • تميزت المسرحيات القصيرة بأنها خاضعة للتحول اكثر ما تكون ساكنة .
  • عملية انتاج النص المسرحي القصير تكون أسهل من انتاج المسرحيات ذات النصوص الطويلة بسبب تعدد المشاهد والثيمات في النصوص الطويلة واعتماد النصوص القصيرة على ثيمة واحدة .
  • للمسرحيات القصيرة دور في انتشار الوعي المسرحي والتجريب في المسرح المعاصر لما تحمله من مرونة ، كذلك تيسيرها  لفرص الابداع ، سوى كان ذلك على مستوى النص أو على مستوى العرض .
  • المسرحيات القصيرة تتناول ثيمة واحدة تلامس يومياتنا وحياتنا الانسانية مما جعل منها تضاهي النصوص الكبيرة في الاشتغال .

ومن كل ما تقدم يجدر بنا الاشارة الى ، أن الخطاب المسرحي كخامة أدبية اذا ما توفرت فيه القيم الدراماتيكية فأنه لا يتأثر كمبنى بالمساحات على مستوى الزمن ، وبخاصة البناءات الحديثة لكتابة النص نراها ابتعدت كثيرا عن النسيج الكلاسيكي واتجهت نحو التكثيف والترميز وهي بهذا تكون قد اخذت على عاتقها منح المخرج مساحة للتأمل والاشتغال ، والخطاب المسرحي بالنسبة للمخرج ليس له علاقة بقصر النص او طوله ، لان نص العرض له خصوصياته التي تشترك فيها كافة عناصر العرض ، والمخرج الماهر هو من يحرك ايقاع العرض وفق رؤيته التي يؤمن بها ، في رسم ملامح بعيدة عن كل ما يؤكد الخصوصية لينطلق الى مرحلة كونية تتشابك فيها الثقافات عبر قنوات متعددة في الاطلاع على التجارب الفنية الاخرى ، فلم يعد النص المسرحي مرهون بطوله او بقصرة بل هو رهينة وعي وفلسفة مخرج وما يطرحه من رؤى اخراجية تتلاءم مع روح العصر وترتبط ارتباطا وثيقا بمفردات اليومي والمتداول .

([1])   ينظر : _________:  مسرحيات الفصل الواحد ، بغداد ، دار الحرية للطباعة والنشر  ، مجلة الثقافة الاجنبية ، 1987، ص 8.

([2]) ينظر : ……………. ، مسرحيات الفصل الواحد ، بغداد ، دار الحرية للطباعة والنشر  ، مجلة الثقافة الاجنبية ، 1987، ص 9 .

([3]) فاضل خليل ، مسرح ضد مسرح ، ط1، العراق ، السليمانية ، مطبعة كارو، 2010، ص 37 .

([4]) مسرحيات الفصل الواحد ، مصدر سابق ، ص 10.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

الوسوم
اظهر المزيد

حليم هاتف

مخرج وناقد وباحث في شؤون المسرح - من العراق

رأي واحد على “المسرحيات القصيرة بين النص والعرض / حليم هاتف ورقة مقدمة في الندورة الفكرية لمهرجان كلباء للمسرحيات القصيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق