المسرح العربيدراسات

المسرح السياسي العربي تغييب /عزة القصابية

المسرح السياسي العربي

عندما سئل (برشت) عن سبب كتابته لمسرحياته السياسية مثل ( البنادق السيدة كارا ) رغم الجو السلمي الذي تعيشه الدنمارك؟… فأجاب قائلاً : “إن تجميع الكلمات الجيدة والطيبة لا يُعد فنًا، ولكن كيف يستطيع الفن تحريك الناس، إذا لم يستطع تصوير مصائر البشر والأقدار التي تمس الناس في كل مكان ؟…وإذا وقفت مكتوف اليدين إزاء بؤس وآلام الإنسان، فكيف يمكن يا ترى أن تخفق قلوبهم إزاء ما أكتب ؟..وإذا لم أسع أنا نفسي لإيجاد طريق لهم لإنقاذ أنفسهم من آلامهم، فكيف يمكنهم إذن أن يجدوا طريقًا إزاء كتاباتي؟!”[1]

يعتبر المسرح نظامًا ثقافيًّا حيَّا يستمد مكوناته من النظامي  السياسي والاجتماعي، حيث  لا يمكن أخراج  المسرح عن دائرة هذين النظامين  في المجتمعات، فهو جزأ لا يتجزأ منهما ، كونه  يتمتع  بخصوصية  منفردة  تميزه عن بقية العناصر الأخرى.[2]ومن هنا انطلقت تباشير محاولة التحام المسرح بقضايا السياسية الاجتماعية . وبرزت مفاهيم جديدة مثل المسرح السياسي، ورغم التحام المسرح بالسياسية منذ الأزل، إلا أنه كمصطلح ظهر في مرحلة لاحقة .

وهناك صعوبة  في تحديد مفهوم  (المسرح السياسي) ، حيث  عادة ما ينتاب هذا المفهوم شيئا من الغموض، وخاصة إذا بحثنا في تاريخ المسرح العربي. وهذا مغالطة واضحة بين (المسرح المسيس) والمسرح السياسي. ولقد  أشار (سعدالله ونوس) في مقدمة مسرحيته  (مغامرة رأس المملوك جابر) إلى الفرق بين المسرح السياسي ومسرح التسييس. فما نجده في الواقع العربي؛هو عبارة عن عروض مسرحية تحاول جاهدة التنفيس والتعبير عن مواقف، يكون هدفها الأول التنوير والتعبير عن الموضوعات  الاجتماعية . ويسعى مسرح(التسييس) إلى  طرح  القضايا  السياسية ذات الصلة الوثيقة بالهم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع.

ويقوم هذا النوع المسرحي بإرسال إشارات سريعة تتضمن فكرة رئيسية تدور حول بعض الأفكار الفرعية إلي عقل  المتلقي ، لتعكس علي وعيه صورًا جزئية ومشكلات ومظاهر سياسية ذات تأثير علي الحركة التنموية في المجتمع [3].

ويشهد  الواقع العربي ظهور الكثير من المسرحيات التي يمكن إدراجها تحت أطار ما يسمى (تسييس المسرح) ، والذي يتمثل في عدد من المسرحيات: مسرحية ( جواز علي ورقة طلاق – علي جناح التبريزي وتابعه قفه – حلاق بغداد – الزير سالم – سليمان الحلبي ) لألفريد فرج،    ( مأساة الحلاج الأميرة تنتظر – ليلي والمجنون – بعد أن يموتا لملك ) لصلاح عبد الصبور،     ( الفتي مهران – عرابي زعيم الفلاحين – النسر الأحمر- وطني عكا) لعبد الرحمن الشرقاوي،           ( أنت اللي قتلت الوحش ) لعلي سالم.

ومن ناحية أخرى، فقد غاب (المسرح السياسي) بمعناها الحقيقي الذي يهدف إلى اتخاذ مواقف معارضة لسياسات معينة، والتي يمكن أن تمارس ضغوطًا مغايرة  لتوجهات الغالبية العظمي في بلد ما تحكمه أنظمة سياسية قمعية. ويسعى  (المسرح السياسي)  إلى عرض الظواهر التاريخية ومسرحة قصص مماثلة تتحدث عن ظاهرة الاستغلال، ونهب ثروات الشعوب، وعرض صور للقهر العنصري والاستعماري لهذه الثورات،ويكون ذلك بهدف تأجيج الجماهير لمواجهة ناجزة  لمظاهر الظلم السياسي والاجتماعي[4] .

وهناك الكثير من المسرحيات التي تنضوي تحت راية مفهوم (المسرح السياسي) في الوطن العربي، أمثال: مسرحيات سعدالله ونوس (مغامرة رأس المملوك جابر – الملك هو الملك – الفيل يا ملك الزمان – حفلة سمر من أجل 5 حزيران ) ومسرحية ( محاكمة الرجل الذي لم يحارب ) لممدوح عدوان ، ( النار والزيتون – ألحان علي أوتار عربية) لألفريد فرج،  ومسرحية ( مسافر ليل) لصلاح عبد الصبور ( الحمار يفكر – الحمار يؤلف ) لتوفيق الحكيم.

ولقد وردت كلمة (السياسة) في سياق الحديث عن المسرح لأول مرة في عبارات (اوكيسي) ، إلا أنه لم يصل النقاد الغربيون إلى تحديد تعريف نهائي للمسرح السياسي[5].

وتعود  الأبعاد السياسية في تاريخ  المسرح العالمي  إلى زمن التراجيديات التي  تتحدث عن  الأنظمة الحاكمة  والحروب والقرارات المصيرية، وصولا إلى مسرحيات شكسبير وموليير وراسين أو ستندربج أو بيكت… والتي كانت عبارة عن مسرحيات سياسية غير مباشرة ، والتي عادة  ما يغلب عليها الرؤية الوجودية أو التاريخية أو الإنسانية[6].

ويقترن المسرح السياسي العالمي، باسم ( ببسكاتور)[7]والذي فسر فلسفة المسرح السياسي،  بأنها  فكرة الفن للفن ما هي إلا تسلية عابرة ومؤقتة. لذا ينبغي على الفن أن يكون معملا وتربية أخلاقية  ووسيلة من الوسائل التعليمية. ويسعى هذا المسرح  إلى إبراز الإنسان السياسي الثوري ، حيث أن مثل هذا الإنسان جدير بالصعود على خشبة المسارح، لإظهار أبعاد التاريخ، وإظهار موقف الإنسان في مواجهة المجتمعات الظالمة، وإظهار قدر الشعب كمجموع، قبل قدر الإنسان كفرد، بل والتعرض إلى قدر العصر نفسه[8].

 

          وأكد (بسكاتور) أهمية ارتباط المسرح السياسي بحركة وتحركات طبقة العمال (البروليتاريا)، والكادحين، والمواطنين العاديين. من اجل إتاحة حياة حرة كريمة، ترفع من إنسانيتهم، وتحقق حقوقهم المهنية سياسياً واقتصادياً[9]. واستطاع هذا المسرح في النهاية، استغلال المشكلات السياسية لصالحه، وتنوير الجماهير سياسياً، وتعبئتها وجدانياً وعاطفياً. ولم يكن هدفه تقديم متعة جمالية للجمهور، بقدر ما يدفع هذا الجمهور إلى اتخاذ موقف عملي من القضايا التي تهم  بلاده. ذلك أن المسرح عنده، يعني برلمانا، والجمهور هو الهيئة التشريعية[10].

وتعرف  الناقدة المصرية (نهاد صليحة) المسرح السياسي بأنه  : ” مجموعة الأفكار أو الفلسفة التي تشكل نظرية الحكم، التي يتم في ضوئها تنظيم علاقات الأفراد والمجموعات في المجتمع وفق قوانين وقيم معينة تتحكم في توزيع السلُطة والمال، وتحديد الأدوار ومناطق التحرك للإفراد والجماعات”[11].

فيما  يضع  (أرتو)  لمفهوم المسرح السياسي  تعريفًا  مغايرًا، عندما يقرنه بحدث سياسي ما،            وفي ذات الوقت، فقد رفض السياسة كمادة مسرحية بحته، وكان يدعو  إلى التحريض السياسي محل الثورة السياسية والثورة الشاملة، كما يعتبر فعل الثورة السياسي، هو فعل مسرحي” [12].

وتعود بدايات المسرح السياسي إلى مرحلة ما بعد الحرب العالمية الأولى ، ما رافقها من تحولات جوهرية على مستوى الأنظمة الدينية والعسكرية والتحولات التقنية والموجه الصناعية الكبرى[13]..وتزامن ذلك مع ثورة الحداثة، حيث اعتبرت الأبعاد السياسية والاقتصادية أحد أركانها، إضافة إلى الضغط الهيمني للدولة والاستثمار البيروقطي للحياة الاجتماعية والفردية، يهيئان دون شك لأزمات كبرى في هذا المجال[14].

وفي نهاية القرن التاسع عشر وبداية  القرن العشرين شهد المسرح السياسي ظهور الكثير من  المسرحيات هدفها الأول انتقاد الشخصيات الحاكمة والدولة وبرامج الحكومة والدعوة لنصرة قطاعات الشعب الفقيرة والحديث عن الاستعمار والكولنيالية والحروب، والانتصار لقوى الثورة ومساندة مصائر الشعب، والحديث عن المشاركة في حركات التحرر كما حدث في بلدان كالصين واسبانيا وكوريا وفيتنام [15].

وتشير الدراسات المسرحية إلى أن  بدايات ظهور (المسرح السياسي)  في الوطن العربي، كان  بعد نكسة يونيو  1967م من خلال عرض مسرحية (باب الفتوح) التي هي من تأليف محمود دياب، ومن إخراج سعد أردش وبطولة عبد المنعم إبراهيم وفردوس عبد الحميد،والتي قدمها المسرح القومي المصري عام 1976 م[16].كما يقرن (عبد الفتاح قلعة جي) بدايات المسرح السياسي في مصر بالمسرح الفرعوني من خلال قصة (إيزيس وأوزريس) . والتي تعتبر من بواكير  التمثيل الديني  الذي يقوم على الصراع حول السلُطة بين الأخوين أوزيروست[17].

وهناك الكثير من العوامل التي ساهمت في عدم استمرارية المشهد السياسي المسرحي العربي، منها ارتباط هذا النوع المسرحي بالكوميديا؛ وكأن المسرح السياسي العربي لا يمكن أن يظهر إلا في أحضان الكوميديا، فمسرح (الشوك) رغم أهميته كتجربة مسرحية، فإنه  لم يكن سوى مشاهد كوميدية تعتمد على نجومية (غوار الطوشة) الشخصية الشهيرة التي كان يؤديها الفنان السوري دريد لحام، والذي يتصف بقدرة هائلة على القيام بالأدوار الكوميدية ذات الطابع السياسي ، ولعل أشهر أعماله مسرحية (كأسك يا وطن).

وهناك المسرحيات السياسية الكوميدية التي قدمها الفنان عادل إمام في مصر التي تنضوي تحت تصنيف المسرح السياسي عام 1995 م [18].

فيما قدم الفنان أحمد بدير مسرحية بعنوان ( دستور يا أسيادنا )، والتي  أثارت ضجة إعلامية رافقت العرض، بعد حجبه من قبل وزارة الثقافة المصرية. وفي الخليج  العربي ظهرت  تجارب مسرحية ذات طابع سياسي؛  مثل تجارب حسين عبد الرضى (باي باي يا عرب) ومسرحيه (سيف العرب)ومسرحية (باي باي لندن). إضافة إلى تجارب غانم السليطي،  مثل مسرحية  (هالو جلف)  ومسرحية  (أمجاد يا عرب) ومسرحية  (أنا ومراتي والإرهاب) ومسرحية (عنبر و11 سبتمبر) …وغيرها[19].

وهناك محاذير كثيرة للمسرح السياسي جعلته متعثرًا في مسيرته الفنية، مما جعل  البعض ينأى عن هذا النوع المسرحي، ويميل نحو المسرح الاجتماعي (المسيس) …ولعل أهم تلك المحاذير التي ترتبط بحرية التعبير في ظل الأنظمة الحكومات العربية الضاغطة، مما يجعل هناك صعوبة عند محاولة  المقارنة بين المسرح السياسي العربي والغربي. نتيجة غياب مقومات المسرح بصورة عامة، والمسرح السياسي بصورة خاصة، ونأمل أن يقوم هذا المسرح بدوره الطليعي الذي رافقه منذ  خمسينيات القرن المنصرم، وخاصة في ضوء المتغيرات السياسية التي تعيشها الأقطار العربية.

وبالرجوع إلى عصرنا الحالي وما يعتمل فيه من  ثورات ربيعية، فإنه يفترض أن يقوم المسرح بدوره الحقيقي لشحن المشاهد بالجرعات السياسية التي يمكن أن تصنع  منه ماردًا، يمكن أن يثور  في وجه الأنظمة القمعية كما ذكر (سعدالله ونوس)[20] في مقدمة كتابه (بيانات لمسرح عربي) [21] .

وينقسم المسرح السياسي إلى ثلاثة أنواع[22]:

مسرح سياسي إصلاحي: يسعى هذا المسرح إلى أصلاح النظام السائد، بطريقة إيجابية بناءه.

مسرح سياسي ثوري: يدعو هذا المسرح إلى استبدال نظرية سياسية بأخرى. ومن أمثلته مسرح برخت الذي ينقل مركز الصراع الدرامي من خشبة المسرح إلى عقل المتفرج – أي إنه يعرض موقفا واقعيا ثم يسلط عليه ضوءًا نقديًّا مما يجعل المتفرج ينتبه إلى مواطن الخلل فيه[23].

المسرح الفكري السياسي الجدلي: يعتمد  هذا المسرح على الإيديولوجية القائمة على الجدل  الفلسفي، دون التزام المؤلف لموقف بعينه. وهو يتخذ موضوع الإيديولوجيا  أو الفلسفة ، والتي يقدمها كافتراض أساسي يتم طرح الصراع وحسمه في إطارهما [24].

ويذكر (عبد الفتاح قلعة جي) في كتابة (المسرح الحديث…الخطاب المعرفي وجماليات التشكيل) إلى أن علاقة السياسة بالمسرح تنقسم إلى قسمين؛ الأول ذات الصلة غير مباشرة، وهو الذي يطرح موضوعًا سياسيًّا، للتعبير عن المشكلات الاجتماعية التي هي نتيجة للأوضاع السياسية القائمة. أو أن تكون مسرحيات ذات صلة مباشرة بالسلُطة في العرض المسرحي بدعاوي إيديولوجية أو توقراطية أو كاريزمية ، مما يستدعي نشوء وعي مسرحي مضاد لنمط السلطة المسرحية[25] .

وتتفاوت الآراء حول دور المسرح بشكل عام، فالمسرح ليس بالضرورة أن يدخل في ملابسات السلُطة الحاكمة، ولكنه قد يقترن بالهم السياسي الاجتماعي، وهو يسعى إلى تفكيك الواقع، وتعريته ورفع أقنعته وفضح مشاكله السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بهدف التعبير عن  القضايا الإنسانية ، وهو  في النهاية يثير أسئلة أكثر مما يضع أجوبة[26] .

وتتباين الأشكال المسرحية التي يمكن أن يلجأ الفنان إليها، فقد تكون نصوصًا مسرحيةً تعالج موضوعًا مصيريًّا .  وسعت التجارب الحديثة في المسرح السياسي على منافسة وسائل الإعلام البصرية  وأنظمة الاتصال الرقمية الحديثة. حيث قدمت عددًا من  التجارب المسرحية الحديثة التي قلصت  مساحات الحوار ، واهتمت بالتقنية بغية صنع لوحة  بصرية تجاري  ركب المسرح العالمي .

ولقد أتاحت التكنولوجيا أفاقًا فنية لم يسبق اقتحامها، مما جعل المسرح يكون قادر  على منافسة الفنون المرئية الأخرى كالسينما والتليفزيون والإنترنت . والمسرح العربي اليوم مطالب أكثر من أي وقت مضى بأن يكون أكثر قدرة  للتعبير عن الموضوعات المصيرية  العربية،  بغية الكشف عن الفساد وتعرية القضايا الاجتماعية المستترة في رحم المجتمع، والتي تحتاج إلى مزيد من البحث والتنقيب عنها[27].

ومن ناحية أخرى، فقد ساهمت (الرقابة)  في إخفاق المسرح في التعبير عن قضاياه ، والتي كانت بمثابة سندان يهدم  بنية العمل المسرحي الإبداعي، والذي يسعى إلى تفكيك فقراته ليتحول  إلى عمل يفتقد  إلى البناء الفني . وهذا ما يجعلنا نشير إلى كيفية استغلال الحريات المتاحة في المسرح العربي، لكون المسرح أحوج ما يكون إلى التحرر من القيود التي تثقل كاهله، عن طريق تقديم  تجارب مسرحية تعكس قضايا المجتمع.

برغم مضي ردح من الزمن على تأسيس المسرح العربي، إلا أن هناك  مزاوجة واضحة  بين التشجيع من عدمه، والتي هي  أحد مظاهر الرقابة، مما كان له الأثر السلبي على إعاقة استيعاب الظاهرة المسرحية، استيعابًا ثقافيًّا واجتماعيًّا شاملاً من قبل المجتمع. كما أوجدت في أوساط المثقفين روحًا منكسرة مهزومة، ظلوا بسببها يشعرون بأن كل حجج الرقابة والأنظمة الديمقراطية أصعب ما تكون. وهذا يجعل الرقابة أيا كانت أشكالها بمثابة المعول الذي ينخر في بنية الأعمال الفنية المقدمة، مما قد يسبب في أزمة حقيقية تحتاج إلى حلول وسطى، خاصة في ضوء ما نعيشه من انفتاح عالمي بواسطة القنوات الفضائية وغيرها من وسائل التكنولوجيا الحديثة[28].

ويشير محمد عزام إلى أن الرقابة استطاعت أن تهمش المسرح العربي، مثلما حدث في الجزائر عندما أغلقت أبواب معهد الفنون المسرحية،  كما كانت الرقابة في  تونس عاملا مهما في تجميد نشاط المسرح وأفلاسه . وهي ذاتها جعلت  المسرح في باقي البلدان العربية مثل البحرين والأردن والمغرب يكون مغيبا عن الواقع …وذلك بسبب انعدام حرية التعبير فيها، وفقدان الديمقراطية، وتحولها إلى مجرد شعارات زائفة. لذلك لجأ الكتاب والأدباء إلى التاريخ والتراث والرموز والأساطير، واتخذوها قناعا يختفون خلفه عن (الرقابة)[29].

وهناك صعوبة واضحة عند محاولة قياس حرية التعبير في نصوص المسرح العربي،  لكون المسرح ما هو إلا وجه واحد من أوجه الأنشطة الثقافية الأخرى، لذلك كانت هناك أشكال في   الاستدلال على الحريات المتاحة فيها. وإن كان هناك من لا يزال يمني نفسه، بإعطائه مساحة أكبر للتعبير عن  رأيه بشفافية أكثر، بدلاً من القيود التي تحد من حركته، والتي من شأنها تجميد  التفاعل بين الفنان والمشاهد، ومن خلال العروض المقدمة.

وليست بالضرورة أن تكون تلك القيود نابعة من الأنظمة السياسية، ولكنها قد تعكس الأطر الاجتماعية الواهية، التي تشكل حلقة من الصعب الخروج منها، فهناك بعض العادات الاجتماعية السطحية، وكذلك طريقة تفكير بعض الشخوص(لجان تقييم النصوص)  التي تنم عن عدم الوعي والفهم العميق لمعنى الفنون، وهذا بدوره أوجد فريقين من الناس، الفريق الأول هو من يحاول أقناع  نفسه بأنه متحرر ولو بالتقليد الشكلي.. والفريق الآخر يرفض التغيير المطلق! ..وفي كلتا الحالتين ينجم عنهما ضياع البُعد التراكمي للثقافة المسرحية[30].

ختاما، يضج  الواقع العربي المعاصر بالكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي يصعب القطع فيها، ولكن أغلبها تدعو إلى الإصلاح والتغيير من أجل حياة كريمة تضمن للمواطن العربي الاستقرار والعيش الكريم.

وعند الحديث عن المسرح السياسي، فإنه لابد من الإشارة إلى المغالطة الناجمة عن اختلاط المفهومين  ” المسرح السياسي” و ” تسييس المسرح” ، حيث الغالب انتشار المسرح المسيس، وغياب المسرح السياسي الحقيقي. نظرًا لتضاءل نسب الحرية لدى المبدعين،  وذلك فيظل لأنظمة السياسية الشمولية السائدة، حيث ينضوى “المسرح” على الأغلب ضمن أطار المؤسسة الرسمية، لذا كان عليه أن يكون عنصرًا مسالمًا، وعليها لابتعاد عن التيارات السياسية اليسارية .

[1]القصابي، عزة،  (حرية التعبير بين الرفض والقبول في المسرح الخليجي) ، ندوة (المسرح والديمقراطية) في مهرجان الكويت العاشر 2008م، ص 5

[2]كرومي، عوني، الخطاب المسرحي: دراسات عن المسرح والجمهور والضحك، السلسلة المسرحية(الدراسات)، الشارقة2004، ص11

[3]القصابي، عزة، ورقة بعنوان  (أثر الفضائيات في الخطاب المسرحي العربي) ، المهرجان الوطني للمسرح المحترف بالجـزائر، يونيو 2007م، ص 4

[4]المرجع السابق، ص5

[5]المهندس، فؤاد، “المسرح السياسي في الغرب ونظيره في الوطن العربي”،
عالمالمسرح http://www.palmoon.net/2/topic-2014-112.html

[6]النصير، ياسين، أسئلة الحداثة في المسرح، الهيئة العربية للمسرح: الشارقة، الطبعة الأولى، 2011م،33

[7]اروين بسكاتور (1893 – 1966) : مخرج مسرحي ألماني، تتلمذ على يد المخرج (ماكس راينهاردت) في المسرح الشعبي الألماني، وهو أحد مؤسسي المسرح السياسي (البروباجندة) أو (الدعاية السياسية) . وأسس مدرسة للتمثيل فيها تحت

اسم :The     Dramatic Work shop)  المدرسة الدراماتيكية التجريبية) .

 [8]عزة القصابي، ورقة  بعنوان :(المسرح والإعلام في الربيع العربي)، الندوة الفكرية (مسرح المستقبل – تغيرات وتصورات )، مهرجان المسرح الأردني  (14-24 نوفمبر 2011م)، ص10

[9]المرجع  السابق، نفس الصفحة.

[10]جيمس روس – ايفانز، المسرح التجريبي من ستانسلافكي الى اليوم، ص64.

[11]صليحة، نهاد، المسرح بين الفن والفكر، هلا للنشر والتوزيع: الجيزة، الطبعة الأولى، 2010م. ص175

[12]االنصير، ياسين، المرجع السابق،35

[13]النصير، ياسين،المرجع السابق، ص32

[14]بودريار، جان (ترجمة : محمد سيلا)، الاشراف: جمال الأبطح، قضايا وشهادات، كتاب ثقافي دوري، (3) شتاء، 1991…ص288

[15]النصير، ياسين، المرجع السابق، ص31

[16]المهندس، فؤاد،المرجع السابق.

 

[17]قلعة جي، عبد الفتاح، ، سلسلة الدراسات (11)، اتحاد الكتاب العرب: دمشق، 2012م. ص10

[18]عصمت، رياض، ” هوامش مفتوحة على  أزمة المسرح العربي…والكل متهم”، مجلة كواليس، مجلة فصلية، جمعية المسرحيين بدولة الإمارات العربية المتحدة، العدد 23، يونيو 2010م، ص 88

[19]المهندس، فؤاد، “المسرح السياسي في الغرب ونظيره في الوطن العربي”،
عالمالمسرح http://www.palmoon.net/2/topic-2014-112.html

[20]تتمثل  أهمية (المسرح السياسي) كونه يشكل مرحلة ما بعد هزيمة الجيوش العربية عام 1967 والتي سميت بنكسة حزيران ، والتي أشهر  أعلامها  الكاتب المسرح السوري سعد الله ونوس، الذي كتب  أول نص مباشر يتحدث عنها هو  ” حفلة سمر من أجل 5 حزيران” . وقد مثل هذا النص عشرات المرات في عدد من الدول العربية، لينتشر لاحقا كصرخة احتجاج على الأنظمة والتيارات العربية التي قاد فكرها للهزيمة. ..  للمزيد أنظر ص 36 ، كتاب ( أسئلة الحداثة في المسرح)  النصير، ياسين،  الهيئة العربية للمسرح: الشارقة، الطبعة الأولى، 2011م.

[21]سعد الله ونوس،  بيانات لمسرح عربي جديد، دار الفكر الجديد:بيروت، الطبعة الأولى، 1988، ص 42

[22]صليحة، نهاد، المسرح بين الفن والفكر، هلا للنشر والتوزيع: الجيزة، الطبعة الأولى، 2010م. ص175

[23]المرجع السابق، ص186

[24]صليحة، نهاد، المرجع السابق ، ص189

[25]قلعة جي، عبدالفتاح، ، سلسلة الدراسات (11)، اتحاد الكتاب العرب: دمشق، 2012م. ص10

[26]قلعة جي، عبدالفتاح ، المرجع السابق، نفس الصفحة.

[27]صالح أبو إصبع،استراتيجيات الاتصال وسياساته وتأثيراته،عمّان: دار مجدلاوي للنشر والتوزيع، 2005،ص246.

[28]عصمت، رياض، ” هوامش مفتوحة على  أزمة المسرح العربي…والكل متهم”، مجلة كواليس، مجلة فصلية، جمعية المسرحيين بدولة الإمارات العربية المتحدة، العدد 23، يونيو 2010م، ص 89

[29]عزام، محمد، مسرح سعدالله ونوس…بين التوظيف التراثي والتجريب ..دراسة، دار علاء الدين:دمشق، الطبعة الثانية، 2008م.ص200

[30]غلوم، إبراهيم ، ورقة بعنوان ” الرقابة بوصفها ثقافة نسقية”، مقدمة في مهرجان الكويت الثامن 2005م، ص 6-11.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق