في النقد

حين يقع العرض المسرحي في فتنة النصّ الصوفي ويضيع فيه/كمال الشيحاوي المصدر / اليوم

يبدو أن المسرحي التونسي «حافظ خليفة» مصرّ على وضع ملامح خاصّة تميّز أعماله وتجربته المسرحية في تونس وفي عموم العالم العربي. ومن اختياراته الثابتة إلى حدود ما أنجز حتّى اليوم من أعمال («طواسين و«ومراحيل» و«زنازين النور» و«برزخ» و«السقيفة»). طرح القضايا والإشكاليات الفكرية والإيديولوجية التي ما تزال تشغل الإنسان العربي انطلاقا من متخيّله الديني والتاريخي والأدبي الذي استقرّ في كبرى التجارب الفلسفية و الروحية ومنها التجربة الصوفية.

ويستأنف حافظ خليفة في هذا التوجّه طريقا ظهر بشكل قويّ في ستينات القرن الماضي وله روّاد منهم «عز الدّين المدني» في تونس والطيب الصديقي» وعبد الكريم بالرشيد» من المغرب و«سعد الله ونوس» في سوريا وكان امتدادا تاريخيا لجهود مؤسسين نذكر منهم توفيق الحكيم. وقد اقترن بروز هذا التيار والحماس له بمحاولات تنظيرية في ما عرف بالمسرح التراثي والتأصيلي والاحتفالي بخلفية إيديولوجية، عروبية/إسلامية كانت مساندة لكلّ محاولات التأصيل للفكر والإبداع العربي في الفنون التشكيلية والرواية والشعر وبدرجة أقلّ في مجال السينما. و كان الهدف في ذلك الوقت، الحرص على خلق مسرح عربي متميّز في لغته وأدواته ومضامينه ومرجعياته الجمالية عن مختلف التجارب المسرحية في العالم. ويسند هذا التوجّه موقف إيديولوجي يرى في استعمال «اللّهجات المحلّية» وتقليد اتجاهات المسرح الغربي ضربا من الإنبتات والتغريب الذي لا ينتج سوى «المقلّد» و«المزيّف».

شعارات المسرح التراثي وتهويماته

وبقطع النظر عن الجدل الفكري والمسرحي الذي امتد لسنوات طويلة حول هذا التيار فإن ثماره ومكتسباته لا ينكرها أحد في تنويع مدوّنة المسرح العربي بقي أنّ الحماس لهذا التوجّه قد خفت بدرجة كبيرة، وتراجع الأمل في أن يكون هذا المنهج هو الضامن الوحيد لخلق مسرح عربي متميّز. ولا يفسّر هذا التراجع بالخيبات المتتالية لمشاريع «التأصيل» وفشل مشاريع النهضة والتقدّم في العالم العربي خصوصا ذات المنحى القومي والعروبي فحسب وتهاوي الأنظمة الدّاعمة لذلك في المنطقة وإنّما لنضج وعي المسرحيين العرب بأنّ التوجّه للتراث واستلهام مصادره أو استخدام اللّغة العربية والبحث عن جماليات مسرحية عربية عموما لا يكفي لإقناع الجمهور بجودة العمل المسرحي. فالتوجه «التأصيلي أوالحداثي» أو «الواقعي» ما هو إلا اتجاهات وصيغ في التعبير ومواد ووسائل وليست غايات في حدّ ذاتها. وبهذا المعنى فإن الجمهور الذي ذهب لرؤية مسرحية «أسرار العشق» في عرضها يوم الاثنين 08 ماي الجاري هو جمهور متحرّر من كلّ السياق الإيديولوجي الذي أنتج المسرح «التراثي» من قبل. وهو لا يمنّي النفس سوى بالتمتّع بعمل مسرحي يحقّق شروط الإبداع في هذه الفنّ. ويعدّ هذا الأمر مكسبا مهما في إطار التلقي التونسي والعربي الذي بات متخلّصا من كلّ الادعاءات والشعارات التي طالما تخفّت وراءها أعمال مسرحية ضعيفة، ولطالما استثمرت بانتهازية في شعار «مسرح التراث».

حين تكون غاية

المسرح أن يمّحي في النصّ

وفي إطار هذه الرؤية سنسعى لمحاورة مسرحية «أسرار العشق» من داخل خياراتها وفلسفتها الجمالية أي أننا سنسعى للتفكير مع فريق المسرحية ومخرجها لا ضدّهم. وأوّل ما نرى أنّه من المهمّ التفكير فيه هو نصّ المسرحية ذاته، فنحن إزاء كتابة قوية وبليغة، تستلهم كبرى التجارب الروحية (منطق الطير) لفريد الدّين العطار وتحيل على عديد النصوص الصوفية التي بلغت ذرى تعبيرية قوية جدّا من التوحيدي وابن عربي إلى الحلاج والنفري…. والتعامل مع هكذا نصوص يمثّل سلاحا ذو حدّين، في الموسيقى والرواية وفي غيرهما من الفنون فهو في المسرح يشكّل من ناحية مجموعة من التحدّيات الصعبة والخطرة على الكتابة الإخراجية والتصميم السينوغرافي والأداء التمثيلي، ما يدفع العمل المسرحي إمّا أن يعلو إخراجيا إلى مستوى هذا النصّ أو يجاوزه حين يجعل منه منطلقا لكتابة مسرحية أخرى، تستلهمه دون أن تمّحي فيه أو أن يكون العرض مجرّد إطار حاضن له وديكور لمنطوقه. وهو ما يجعلنا أمام صورة يتحوّل فيها العمل المسرحي بكلّ بمكوّناته الرئيسية من ممثلين وديكور وسينوغرافيا إلى مجموعة من «المحامل» لهذا النصّ المبهر، تخدمه وتطيعه وهي في حالة من الانتشاء والالتذاذ بالانمحاء فيه.

ما لاحظناه في عمل «أسرار العشق» ـ وهذا تقديرنا ـ أنّ العرض كلّه، بممثليه ولوحاته التعبيرية إنما كان إطارا لتلفّظ «منبري» «خطابي» لنصّ صوفي بديع. وقد غطّى النصّ ببلاغته وقوّة رموزه ومعانيه على كلّ شيء. ولم يكن «الممثلون» والراقصون» سوى تعبيرات «فيزيائية عن الرموز التي احتواها نصّ منطق الطير» وما جاوره من إحالات. وضمن هذا الاختيار فنحن لسنا إزاء شخصيات مسرحية بالمعنى الدرامي المعروف وإنما أمام ممثلين تقمّصوا أدوارا نصّية وكلّ غايتهم أن يتلفّظوا بكفاءة ما يقوله النصّ بأمانة. وما يصير بينهم من حوارات لا تحمل شروط بنية الحوار الدرامي المسرحي وإنما هي مونولوغات وتداعيات وصرخات وتكشّفات روحية تروي أحوالهم وما يطرأ على وجودهم في رحلتهم الروحية التي تنقلهم من واد إلى آخر.

بين المسرح و«الكوريغرافيا» من أضاع الآخر؟

نحن إذن أمام مسرح ذهني، حيث الأشخاص مجرّد رموز، مسرح «روحي»، مسرح يحتفي بالنصّ ويبرزه ويجعل من مكوّناته حمّالة له وخادمة. وغالبا ما ينجح هذا الضرب من المسرح في النصوص المكتوبة، كما هو حال مسرح «توفيق الحكيم» أو «المسعدي»… ويمكن أن نفتح قوسا صغيرا في هذا السياق لنقول (أنّ النصوص الشعرية التي تحمل ذرى تعبيرية قوية وعالية جدّا غالبا ما يتجنّبها «الملحنون» لصعوبة إيجاد ألحان تضاهيها وتبرز تميّزهم «كملحنين» لذلك نجد أن أغلب ما يتمّ من «تلحين» للشعر الحديث هو أقرب للمصاحبة الموسيقية منه إلى التلحين. ولعلّ الأمر يصحّ بعض الشيء مع النصوص المسرحية القوية في لغتها وأدبيتها حيث يمسخها «الهواة» ولا يقدر عليها سوى كبار المخرجين والممثلين).

لقد تنبّه المخرج للمحتوى الإنساني والصوفي المطلق لنصّه فأراد أن يزيد عليه بعض هموم العصر بالإشارة الى تورّط الإنسان في الحروب والقتل بسبب الطمع ونسيانه لكينونته وما يحقّق سعادته الحقيقية. وتقديرنا أنّه لم يحقق هدفه بالقوّة ذاتها التي حقّقها في عمله السابق السقيفة».

ربّما كان من الأجدى الاستغناء عن الحضور الركحي لعدد من الممثلين وتعويضهم براقصين والاكتفاء بتسجيل أصواتهم الجهورية ودفع العمل ليكون «كوريغرافيا» أكثر، وليرتكز بالكامل على جماليات الإنارة والتعبير الراقص. وربّما كان من مصلحة العمل أن يتخفّف كثيرا من النصّ الملفوظ الذي اكتسح بجماليته الآسرة كلّ العرض. وربّما نكون مخطئين في تقديرنا.

 

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

الخشبة

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق