القاهرةالمسرح العربيحوارات

سامح مهران: لو استطعت تعميم المهرجان على مستوى ربوع مصر لفعلتها / أشرف فؤاد المصدر / مسرحنا

بعد انتهاء الدورة الخامسة والعشرين لمهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، دورة اليوبيل الفضي، وبما أنها كانت «دورة استثنائية» ثرية بالكثير من الفعاليات المسرحية

الدولية من العروض والورش والنداوت بجانب التكريمات، سواء أكانت للأشخاص الذين كان لهم أسهامات كبيرة للمهرجان أو للعروض المصرية التي نالت جوائز في هذا المهرجان على مدار خمسة وعشرين عاما ولاقت نجاحا وإقبالا منقطع النظير بعد إعادتها.. فكان لا بد لنا من عقد هذا الحوار مع الأستاذ الدكتور سامح مهران، رئيس أكاديمية الفنون السابق ورئيس مهرجان المسرح المعاصر والتجريبي الحالي حتى نستطلع من خلاله كل التفاصيل والتحضيرات التي سبقت هذه الدورة الناجحة وما أثير حولها من جدل.
ماذا كنت تعني بمصطلحي «التنوع الثقافي والمشهدي» اللذين أشرت إليهما في كلمتك في افتتاح المهرجان؟
لعلك شاهدت العرض المكسيكي الذي يدور في (متر في متر)، قام المتفرجون هنا بالاحتفال بهذا العرض احتفالا كبيرا، هذا العرض هو عرض تجريبي مائة في المائة، الثلاثة ممثلين هنا لم يغادروا هذا (المتر في متر) مع حركية بالغة، مع أداء رائع، لمدة أكثر من ساعة الناس عيونها على الممثل، ولا يوجد ديكور ولا يوجد أي شيء غير الممثل فقط الذي يستطيع بمفرده أن يعمل كل الأشياء حتى الأصوات الخاصة بالطيور، عندك حركة يديه التي يجسد بها شكل العاصفة، فأنت هنا أمام مشهدية رائعة، هذا هو المسرح الفقير ولكن الغني بإمكانات الممثل والمؤدي.
هذا هو التنوع المشهدي. إذن، ما هو التنوع الثقافي؟! أنت تجلب عروضا من أوروبا وتجلب عروضا من أمريكا وعروضا من العالم العربي وتجلب عروضا من سويسرا، هذا هو التنوع الثقافي، فمثلا العرض السويسري الخاص بافتتاح المهرجان، هذا العرض كان يعرض في باراجواي، هذه الفرقة جاءت من باراجواي على مصر مباشرة، هذه الفرقة أجرها غالٍ جدا ولا تحضر مجانا، ولكن نحن بصلتنا وعلاقاتنا استطعنا إحضارها لحفل الافتتاح لتعرض لنا مجانا بما أن سويسرا هي ضيف شرف المهرجان هذا العام، ولك أن ترى كيف أحدث هذا العرض استقبالا هائلا لدى المشاهدين.
هناك أيضا تنوع مشهدي آخر في العرض الصيني بالمهرجان، وهو عرض كلاسيكي في توجهه، لكن قدم لنا أسطورة صينية من ألف عام، تقريبا هي قصة «هاملت» لشكسبير ولكن بتنويع ورؤية مختلفة، هنا شكسبير ليس لصا ولكنه عالج الأسطورة برؤيته ووفقا لظروف عصره، هذا يعد أبلغ رد على الفئة التي تردد دوما على لسانها نغمة السرقات للنصوص، لذلك نحن عندما نقول: «to be or not to be»، نعني هنا: هل أنا كائن أم شخص، الكائنات هي ناس تتحلق حول كتاب مصدره السماء عبارة عن أوامر ونواهٍ، أما الشخصية فهي قادرة دوما على اتخاذ القرار بعد إعمال العقل، هنا شكسبير يضع السؤال المركزي الذي نوهنا عنه سابقا، فكرة الخروج من إيهاب الكينونة والالتحاق بفكرة الشخصية، نحن هنا دوما نلجأ إلى فكرة الأصل، التي تعني أنه دوما ولا بد أن يعود كل شيء إلى أصله، فحتى الأسطورة الصينية ذاتها التي اقتبس منها شكسبير روايته «هاملت» جاءت من متغيرات كثيرة حدثت تسبقها، وأخذت أفكارها، التناص هنا أحيانا ما يكون اجتماعيا، على سبيل المثال أنت ممكن أن تكون جالسا على المقهى فتستمع أذنك إلى شيء ما، هناك أيضا تناص أدبي، إذن هنا شكسبير ليس لصا لكنه ولج الموضوع برؤية عصره، فالسرقة عندما أقوم بأخذ شيء معين فوتو كوبي، لأن المسرح ليس حدوته بل إن المسرح خطاب، ماذا تريد أن تقول وفقا للظروف والملابسات المحيطة بك أو المحتوى والسياق الحيوي الاجتماعي والثقافي والسياسي الذي يحتويه النص؟ هذا أيضا تنوع مشهدي، فمثلا في العرض السويسري joy (الرقص العنيف)، فالهدف من اختيارنا لهذا العرض تحديدا أن الكريوجراف في العرض نستطيع التعلم منها الكثير، لأن هناك عروضا يكون اختيارها راجعا إلى أن هناك فئة معينة تستطيع التعلم من هذا العرض أشياء كثيرة.

 كيف أعددتم لدورة اليوبيل الفضي للمهرجان حتى تخرج بالشكل الذي يليق بهذا الحدث؟ وما هي الآلية التي قمتم من خلالها باختيار العروض المشاركة في هذه الدورة الاستثنائية هذا العام؟
أنت الآن حضرت لي بعد نهاية المهرجان بأقل من أسبوع، ماذا وجدت؟ ألم تجدني في المكتب، ذلك لأننا نقوم بالإعداد للدورة القادمة بمجرد انتهاء الدورة السابقة لها مباشرة دون توقف أو راحة، نحن نقوم بعمل ما يسمى: نداء المشاركة، سواء بالنسبة لمحاور الندوات من خلال تحديد تلك المحاور معا، ونقوم أيضا باستقبال الأبحاث، وهذه الأبحاث تخضع إلى لجنة القراءة ثم نختار منها الأكثر ملاءمة والأكثر إبداعا، ثم نقوم بتحديد تلك الورش ومسمياتها من خلال نداء المشاركة أيضا على الموقع الخاص بالمهرجان، ومن خلال هذا النداء أيضا تأتي لنا العروض ثم نبدأ بفرزها وفقا لمقتضى الحال، فلا يصح أن نقبل عرضا لا يلائم عاداتنا وتقاليدنا وثقافتنا المصرية، فنقوم باستبعاده فورا، فنحن لدينا لجنتان: لجنة يرأسها الأستاذ عصام السيد، وهي لجنة اختيار العروض الأجنبية، ولجنة يرأسها الأستاذ ناصر عبد المنعم، وهي لجنة اختيار العروض العربية.

 ما هي التقنيات التي تتراجع إلى الخلف وتلك التي تتقدم إلى الأمام والتي عبر عنها المهرجان مرورا بتاريخه الطويل والتي نوهتم عنها أيضا في كلمتكم في افتتاح المهرجان؟
«جورج لوكاتش» قال جملة قديما هامة للغاية عندما قال العناصر للعمل المسرحي بعضها يتراجع مثل النص ويتقدم الجسد من الحركة والإيماءة والرقص يعبران عن الموقف المطلوب التعبير عنه، لذا هناك عناصر تتراجع دوما وأخرى تتقدم، أحيانا مثلا رجل مثل «بوبل سونج» قال إن هدفه كان أن يحضر لك تركيبات معمارية وأخرى منظرية، كل هذا من أجل أنه يثير جسد المتفرج من غير نص مسرحي، اللغة نفسها المستخدمة ليست من أجل معانيها عند «روبرت ويلسن»، بل اللغة من أجل إيحاءاتها، كيف تثير أفكارا ولا تقدم لك عالما سابق التجهيز.

 كلمتا المعاصر والتجريبي لغويا غير متفقتين، فالمعاصر معيار زمني، والتجريبي معيار إجرائي، وبعد عودة المهرجان في 2014 بعد انقطاع دام عدة سنوات بعد ثورة يناير، تم إضافة كلمة المعاصر له، ليجمع بين التجريب والمعاصرة، فهل أنت مع هذا الجمع أم ضده؟ ولماذا؟
أنت لو رأيت الظروف التي أدت إلى اختيار هذا العنوان الجديد، عندما كان الوزير الأسبق د. جابر عصفور متحفظا على فكرة التجريب، ولجنة المسرح التي أنا كنت رئيسها حينذاك كانت مصرة على فكرة التجريب، فقمنا بعمل جمع بينهما، ففي الفترة التي كنت أنا فيها رئيسا للجنة المسرح تم فيها إعادة كل من المهرجان القومي والمهرجان التجريبي، هذا فقط من أجل التاريخ، ولولا هذا الجهد لم يكن أي منهما ظهر وعاد إلى النور مرة أخرى، لا القومي ولا التجريبي، ولكن هذا لا يعني أن هذا جهد فردي مني، بالطبع لا فهذا يعد جهدا جماعيا قامت به اللجنة، ولكن فقط لتعلم كم تحملت على عاتقي مشقة وجهد الذهاب إلى الوزراء وكذلك إقناعهم بعودة المهرجانات، وبالفعل نجحنا إلى حد كبير في أن نسترجع المهرجان التجريبي مرة أخرى بعد عمل جمع بين كل من المعاصرة والتجريب ليصبح اسمه: المهرجان الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي، ولكن هذا ليس معناه أن المعاصر يخلو من التجريبي، فالمعاصر فيه أبعاد تجريبية كثيرة جدا، فعلى سبيل المثال عندما ترى أعمال «جينا بان» و»مارينا إبراموفيتش» كل هذه الأعمال تنتمي إلى ما يسمى «مودرن بريمفيدس»، وهي كيف يقوم الممثلون بإصابة أجسادهم على المسرح بالجروح، فالمسرح يعتمد دوما على تحويل اللامرئي إلى مرئي، لكن هنا هذه الجروح الظاهرة هي تعبير عن جروح دفينة تسببها البيئة المحيطة والاقتصاد.. إلخ، هذا يعد شكلا من أشكال التجريب، هناك أشكال كثيرة من المسرح المعاصر، لكن التجريب في حد ذاته، كما ذكرنا مسبقا، دوما ضد العوالم سابقة التجهيز، وبالتالي القيمة التالية لفعل التجربة السابقة لهذا الفعل، من هنا التجريب يساءل المسكوت عنه، يساءل ما يسمى بين المزدوجين الثوابت، ولكن ليست كل الأعمال المعاصرة هي تجريبية من الدرجة الأولى.

 ماذا تعني فكرة «الإتاحة والمشاركة» التي قمتم بإضافتها إلى المهرجان والتي تعد من إنجازاتكم له، بعدما أصبح هناك ولأول مرة ورش عمل مختلفة بجانب العروض المسرحية بالمهرجان التجريبي؟
أنا سوف أتحدث معك بمنتهى الموضوعية، نحن في البداية خسرنا الكتب، فإصدارات المهرجان التجريبي التي قام بعملها الأستاذ الدكتور فوزي فهمي، لا يمكن أن يتجاهلها أحد، ولكن تكلفتها كانت عالية جدا وفقا للميزانيات المقترحة، فنحن هنا كسبنا أرضا وخسرنا أرضا أخرى، والأرض التي خسرناها قمنا بالبدء في استرجاعها من خلال قيامنا بإصدار هذه الكتب على سيديهات من أجل تقليل التكلفة، لعلك رأيت أو قرأت نصوص (نعيمي والسن، هنري واينج، كتاب هنزلي «المسرح ما بعد الدرامي»)، كل هذه إصدارات نحن فخورون باستعادتها، لكن الإنجاز الكبير هو أن قمنا بمباركة معالي وزيرة الثقافة د. إيناس عبد الدايم بالبدء بإنشاء مركز دولي للتدريب، نحن بصدد إنشائه هذا العام ويستمر نشاطه طوال العام، وسوف تكون مدة الدورة ثلاثة أشهر في كل عناصر العرض المسرحي، هناك من سيقوم باختيار السينوغرافيا، وهناك من سيختار الأداء الراقص، وهناك من سيختار الأداء التمثيلي وهكذا، وسوف يقوم بالتدريب فيه مدربون دوليون وكذا من العرب ذو شأن كبير في تخصصاتهم وفي عناصر العرض المختلفة.

 هل شرط أو بالضرورة أن تكون موضوعات تلك الورش بالمهرجان التجريبي مرتبطة بفكرة التجريب؟
بالطبع ليس شرطا، فالورش مفتوحة وليست بالضرورة أن تكون تجريبية. أنا سوف أقول لك شيئا هاما، لو أنت لم تتعلم قواعد العمل المسرحي بدءا من المسرح اليوناني، فلن تستطيع أن تقوم بالتجريب في عملك، لأنك تحتاج من أجل أن تخرج من القاعدة أن تكون على علم ودراية بالقاعدة نفسها، بمعنى أننا نحتاج إلى ثقافة مسرحية رفيعة المستوى من أجل أن نسترجع دورنا حتى أمام الوطن العربي، لذا فأنت محتاج ثقافة أعتقد أن تلك الورش تقوم بتوفيرها ليس من خلال قاعات الدرس النظرية فقط، ولكن من خلال الممارسة أيضا، فالممارسة اليوم شيء مهم جدا في تشكيل الذوات والموضوعات.

 هل اقتصر التدريس في تلك الورش على المصريين فقط أم هناك محاضرون أجانب؟ ومن يقوم باختيارهم؟
بالطبع لا يقتصر الأمر على المحاضرين المصريين فقط للتدريس في تلك الورش، نحن نريد خبرات أجنبية تضيف إلى الخبرات المصرية والعربية الموجودة، فكما رأيت كم الإقبال الكبير. فالورش عندنا ابتدأت بعد انتهاء المهرجان القومي مباشرة، هناك مثلا «دينا عبد العزيز» التي قامت بالعمل قبل بداية المهرجان التجريبي، فهي مصرية بريطانية. واختيار المحاضرين ممن يقومون بالتدريس هنا يتم بشكل جماعي لأن المهرجان أصبح مؤسسة، ونحن كمجلس إدارة تعرض علينا كل الأشياء ثم تعرض علي حتى يكون الرأي جماعيا في كل ما يخص المهرجان، فكل واحد منا له شبكة معارف وعلاقات، مثلا لو نظرت إلى الورشة الخاصة بالملابس الخاصة بالمحاضرة دينا عبد العزيز سترى كم نجاح تلك الورشة الكبير، وهي مصرية مقيمة في بريطانيا وتعمل هناك بالمسرح الاحترافي.

 ارتبط في أذهاننا كمصريين أن كلمة «مهرجان» ترتبط بالجوائز، فلماذا تم عودة التجريبي منذ عام 2014 بلا جوائز ودون هذا التنافس كسابق عهده دوما طوال الدورات السابقة منذ عام 1988؟
عندما ترى مهرجان مثل «إدنبره»، ومهرجان مثل «أفينيون» في فرنسا، ومهرجان مثل «كونستن» في بلجيكا، أنا في رأيي الخاص أرى أن هؤلاء هم أكبر ثلاثة مهرجانات في العالم لا يوجد بها جوائز ولا تنافس، فالمفترض أنك تحتك مع هؤلاء الضيوف وتكتسب خبرات من عروضهم، لكن التنافس من هذا النوع الذي تقصده من الممكن أن يكون في المهرجان القومي من أجل أن أشحذ همم المتسابقين في الحصول على جائزة، لكن في مهرجان دولي الأمر مختلف، فالمهرجانات الكبيرة الدولية قائمة على هذا التثاقف وكيف أتبادل الخبرات وكيف أستفيد أكثر من أن أكون مشحونا بفكرة البحث عن جائزة.

 لماذا لم يتم تكريم العروض الأجنبية الفائزة أيضا على مدار 25 دورة بالمهرجان أسوة بالعروض المصرية الفائزة التي تم تكريمها؟ وهل سيتم إعادة تلك العروض مرة أخرى بعد المهرجان نظرا للإقبال الشديد الذي حدث عليها وأدى إلى حدوث صدامات أمام المسارح مع الجمهور الذي لم يستطع الدخول؟
نحن نريد أن نقول هنا من خلال تكريمنا للعروض المصرية الفائزة، إن لدينا مسرحا مصريا عبر دورات التجريبي الخامسة والعشرين، فازوا بجوائز دولية، فأردنا إعادتها إلى الحياة مرة أخرى من أجل أن يراهم الجيل الجديد، وهذه هي دورة اليوبيل الفضي المصري، فلا بد أن يعرض له ما هو مصري لأنه يتميز بالخصوصية المصرية، وبالفعل هناك قرار باستمرار تلك العروض المصرية لما بعد المهرجان، ولكنك كما ترى الآن جميع المسارح مشغولة بعروضها ومشاريعها، ولكن سوف يعرض قريبا بمشيئة الله عروض: قهوة سادة، الطوق والأسورة، خالتي صفية والدير.

 لماذا اقتصرت المشاركة الأجنبية في هذه الدورة على 11 عرضا أجنبيا فقط، ومنحت الأفضلية في العدد للعروض المصرية والعربية؟
أتكلم معاك بأمانة، نحن قمنا باختيار بعض العروض وكانت أكثر من ذلك بكثير، وفوجئنا قبل المهرجان بمدة بسيطة بفرق طلبت 25 ألف يورو نظير أنها تعرض في القاهرة، هناك فرق كبيرة جدا تطلب مبالغ ضخمة، ونحن ميزانيتنا إلى حد كبير جدا محدودة، فنحن نتحرك وفقا للميزانيات المتاحة الخاصة بالمهرجان، لعلك تتذكر أننا في هذه الدورة الأولى – وأنا متأكد أن هذا سؤال قادم منك – كانت الميزانية ثلاثة ملايين، السنة الماضية كانت أربعة ملايين وكسرا، وهذا العام كانت بستة ملايين، لماذا؟ – لأن في يوليو الماضي أسعار الطيران والفندقة زادت بنسبة 40 في المائة. اذكر لي أي مهرجان دولي يُنفذ بهذا المبلغ؟! وأنا هنا دوما أرد على الناس، البيانات كلها عند الوزارة، أنا أيضا أتذكر بعض الملحوظات حتى في الدورة الأولى والثانية عندما تساءلنا هل نحضر لبن أطفال عندما كان هناك أزمة أم نعمل مهرجانا؟ لأ، نعمل هذا وذاك (أي الاثنين)، لأن أنا وظيفتي كمنشط ثقافي أعمل مهرجانا، ولكن لا يكون المهرجان الواحد، هذا المهرجان ليس عروضا فقط، هذا المهرجان ورش تتعلم فيها الناس، وإلا سوف نكون معزولين عن العالم، والعالم يتجه لمناطق أخرى ونبقى نحن محلك سر، نخسر أرضيتنا حتى في بلدنا، فلن يأتي إليك أحد، فلا بد من تطوير أدواتك حتى لا يخسر المسرح بعدم حضور أحد إليك. أنا أخبرك بالأرقام الحقيقية ردا على أقاويل بعض الناس واتهاماتهم، ومن لا يصدق عليه بعمل استجواب لي في مجلس الشعب، مرة شخص هددني وقال لي إنه سوف يقوم بعمل بلاغ في مجلس الشعب. أقول له «ياريت تعمل هذا الاستجواب يا حبيبي».

 من ضمن الفعاليات الثرية في هذه الدورة الاستثنائية عروض ما يسمى بمسرح الحرب، حدثنا عن هذا النوع الجديد من المسرح المستحدث بالمهرجان.. وهل سيستمر في الدورات القادمة أم هذه الدورة فقط؟
بالطبع لا، فكل دورة لها خصوصياتها، وهذا المحور كان يدعى: بمحور «المسرح تحت دوي القنابل»، أنت ترى ليبيا، وسوريا، واليمن، والعراق، وترانا نحن أنفسنا نتعرض لموجات إرهابية كبيرة، وبالتالي المسرح هنا ماذا يكون وضعه؟ كيف تتصرف مع هذا الموضوع؟ لا تنسى أيضا أن رسالتي في الدكتوراة كان اسمها «مفهوم الحرب في المسرح العربي». لكن هذا المحور كان من اجتهاد الأستاذ عصام السيد بالفعل، وكان اجتهادا محمودا، وأنا أعتذر بالمناسبة هنا وأشكر الأستاذ عصام السيد جدا على جهده غير المسبوق في هذه الدورة تنظيما وجهدا وعرقا وأشياء كثيرة.

 هل هناك أوجه تشابه بين فكرة مسرح الحرب بالمهرجان التجريبي وفكرة مسرح المواجهة التي طرحتها وزيرة الثقافة مسبقا، أم هناك اختلاف؟
كل مسرح الحرب هو مسرح المواجهة ولكن مسرح المواجهة كلمة شاملة، ماذا أنت تواجه؟ قد تواجه قضايا التطرف، والتطرف غير الإرهاب، قد تكون متطرفا ولكن لا تمارس الإرهاب، المواجهة هي كيف أواجه مشكلة اقتصادية أو غيرها من المشكلات، التطرف شكل من أشكال الجنون، وهنا تعريف الجنون هو العقل المشدود إلى مسار واحد بامتياز، يعني عندما لا ترى غير اتجاه واحد، هذه درجة من درجات الجنون، فلا بد أن العقل ينفتح على أشياء كثيرة، أما المواجهة فهي مواجهة شاملة مثلما تقول «التنمية المستدامة»، المواجهة أيضا شاملة ومستدامة مع كل قضايا التخلف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أنت عليك أن تناقش هنا ما يرتبط بمسرح المواجهة بالتجريب لأنك تناقش المسكوت عنه، تناقش قضايا المرأة، تناقش قضايا المعوقين، فأنت لديك 19 مليون معوق في مصر من ذوي الاحتياجات، باختلاف نسب الإعاقة، أليست هذه مواجهة!
أريد أن أخبرك بواحدة من أهم الأشياء أيام الوزير السابق حلمي النمنم، لجنة المسرح بعد استيعابها لموضوع ذوي الاحتياجات الخاصة، قررت عمل مسرح لذوي الاحتياجات الخاصة، وقمنا بعمل مذكرة بهذا الصدد وقدمناها للوزير، هذه تعد مواجهة في حد ذاتها.

 كانت دولة سويسرا هي ضيف شرف المهرجان هذا العام، فما هي الأسس التي على أساسها يتم اختياركم للدولة التي ستحل ضيف شرف على المهرجان؟
أنت لديك هنا مركز ثقافي سويسري مهم، وسويسرا ليست دولة استعمارية وتقوم بعمل دورات في السينما وأفلام قصيرة وتعليم ناس، فهذا يعد أحد الأسباب لاختيارها، ونستطيع أن نتعامل مع المعهد السويسري بعد ذلك في تنظيم دورات وورش أيضا.

 تم تكريم عدد من رموز المسرح المصري والدولي منهم الفنان القدير عزت العلايلي، واسم الراحل د. ناجي شاكر.. فهل لهؤلاء إسهامات في المسرح التجريبي أم هو مجرد تكريم عام على مجمل أعمالهم؟
عندما نقوم بتكريم فنان نكرمه لقيمته وليس بالضرورة لإسهاماته في التجريبي، هل له دور أم لا في إثراء الفن المصري أو بإثراء الفن بشكل عام، لكن مثلا تم تكريم الأستاذ فهمي الخولي والدكتورة هدى وصفي وتكريم الكاتب ورئيس اتحاد الكتاب السابق الأستاذ محمد سلماوي لأن هؤلاء كانوا من اللجنة الأولى التي اقترحت المهرجان التجريبي.

 الفنان القدير محيي إسماعيل صرح بأنه كان لا بد أن يكون من المكرمين بالمهرجان حيث إنه مؤسس التجريب في مصر من خلال قيامه بتأسيس أول ورشة مسرحية تجريبية في مصر والعالم العربي، وكانت تسمى «مسرح المائة كرسي» عام 1968، فما ردكم على أحقيته في التكريم بالتجريبي؟
أنا أرد بجملة واحدة فقط، أنا سبق لي وقلت إنني أشغل منصب رئيس مجلس إدارة المهرجان ولست وحدي كل المهرجان، الأسامي تُطرح ويحصل عليها اقتراع، ومن يتم التوافق عليه هو من يتم تكريمه.. هذا هو كل الموضوع.

 اعتذرت الفنانة السورية آنا عكاش عن المشاركة بالمهرجان، كما أدلت بتصريحات صحفية اتهمت فيها المهرجان بالإخلال بقواعد الدعوة، فما هي ملابسات هذا الاتهام وردكم عليه؟
نحن قمنا باختيارها ومن ثم قمنا بإرسال الدعوة لها وبعد ذلك قامت هي بالتصريح بأن حكومتها لم توفر لها التذاكر، إذن نحن مفترض نشكر على جهودنا، حيث إن اتحاد الفنانين العرب برئاسة الأستاذ مسعد فودة تحمل تذاكر الفريق بالكامل، وأخبرناها بأننا سوف نقوم باستضافتها خمسة أيام ولكنها طلبت عشرة أيام، خصوصا أننا لا يوجد لدينا تسابق وجوائز، إذن عندما تحضر خمسة أيام وتعرض فيهم يومين فقط وتقيم ثلاث ليالٍ أخرى، فهذا جيد، و نحن نعتز جدا بالمسرح السوري وبالفنانين السوريين، وأعتقد أننا كنا من أكثر المساندين للفنان السوري في هذه الفترة، نحن إذن اتهمنا بما ليس فينا.

 ماذا أضاف التجريبي للحركة المسرحية؟
من الممكن أن تقوم بعمل رسائل دكتوراه عندما تتعامل مع كل فنان على حدة وترى تطوره قبل المهرجان وبعد المهرجان، كيف كتب؟ كيف أخرج؟ ستجد فيه بالطبع تأثيرات كبيرة جدا، حتى لو هناك البعض من الأعمال الرديئة فأنت تتعلم منها – برنارد شو، قال: لقد تعلمت من الأعمال الرديئة أكثر مما تعلمت من الأعمال الجيدة – كل شيء ممكن مع التركيز تستفيد منه، على الأقل ترى أخطاء، هنا حاستك النقدية تنمو، لكن هل هناك أشياء دون استفادة؟ بالطبع لا، نحن في هذه الفترة كل واحد منا يتحرك هو هدف للضرب، هل مطلوب منا ألا نتحرك، هل مطلوب منا ألا نعمل شيئا، هل مطلوب منا أن نطفئ مصابيح القاهرة، أنا لو استطعت تعميم هذه المهرجانات على مستوى ربوع جمهورية مصر العربية لفعلتها، أنا غير مصدق أن هناك ناسا أصبحت تفكر بهذه الطريقة، ومثلما بدأت حواري معك قائلا إنه أصبح هناك تشكيك في كل شيء وأمام كل الأطراف، هذا شكل من أشكال الحرب الأهلية العقلية، الجميع ضد الجميع، هذا الجو لا يصنع فنا ولا يصنع مجتمعا، لا بد لنا أن نتعلم كيف نهدأ قليلا من أجل أن نعرف كيف نتيح الفرصة للعمل بجدية، وأنا مع النقد لكل ما يضيف لي كفنان، لكنني ضد التربص، فالفنان بناء وليس هداما.

 آخر عروضك المسرحية كمؤلف هو عرض «شقة عم نجيب» الذي حقق نجاحا على المستوى الجماهيري والنقدي، فماذا أردت أن تقول من خلال هذا العرض؟ ولما اخترت نجيب محفوظ تحديدا عن بقية الكتاب؟
أردت أن أقول نحن نعيش في ماضٍ مظلم، هذه هي الرسالة الأساسية، وأن المرأة المصرية هي المنوط بها أنها تشد هذا المجتمع إلى الأمام، وعندما تشاهد العرض ستتأكد من هذا الخطاب، وهو خطاب مناصر للمرأة، فالمرأة عندما تشق طريقها قد تجذب المجتمع كله.

 هل هناك عمل فني قريب من تأليفك يتم التحضير له؟ ومتى نرى عودتك للإخراج مرة أخرى بعد غياب؟ وهل يتعارض دورك كرئيس للمهرجان التجريبي مع عملك كأستاذ أكاديمي وكمؤلف وكمخرج؟
لا يوجد أي تعارض بين جميع المهام التي أقوم بها، حاليا أنا مكتفٍ بالتأليف، لكن هناك عملا أقوم بتجهيزه سوف أعود به إلى الإخراج قريبا، كما أنه لي عرض أعتقد أنك سمعت عنه اسمه «المعجنة» في المسرح القومي من إخراج أحمد رجب ومن تأليفي، أعتقد أن هذا العمل بمشيئة الله سوف يصادف قبولا جماهيريا عريضا.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق