المسرح العربيمقالات

“شروخ، صمت الرجال” مسرحية تدين التزمت الذكوري / أبو بكر العيادي المصدر / العرب

الفنان دي دو كابال، بعد أن وضع أعمالا عن ضحايا الأعمال أو الأقوال العنصرية، ركز اهتمامه هذه المرة على حقل آخر، معيش هو أيضا، وهو مبدأ الذكورة وآليات صنعها.

درج مسرح الهضبة بباريس، الذي يديره وجدي معوّض، على تقديم مسرحيات تجمع بين التجريب والالتزام بقضايا الإنسان المهمَّش والمستضعَف والمقموع والمستعبَد، ذكرا كان أم أنثى، آخرها “شروخ، صمت الرجال” لدي دو كابال، تأليفا وإخراجا.

دي دو كابال مبدع من شباب الضواحي الباريسية، بدأ مسيرته كمغني راب، ثم شفع ذلك بالشعر الشفوي المعروف بالـ”سلام” slam، الذي يُلقى في الأماكن العامة، من الشارع إلى الحانات والمقاهي والمسارح، منطوقا أو مغنّى، موقّعا أو مُرسلا. أسّس في العام 1992 فرقة “كابال” للعروض الفنية، وأنتج عدة أغانٍ كان يؤديها في الحفلات العامة.

وفي عام 2003 أسّس فرقة R.I.P.O.S.T.E. (الأحرف الأولى لـ”ردود فعل مستوحاة من التعابير الشائنة والأمنية التي تُنظّر لها النخبة”، وتعني الأحرف مجتمعة ردَّ فعلٍ موجعًا)، وجعل مقرها في ضاحية بوبيني شمالي باريس، حيث درجت على تقديم عروض يأتلف فيها الراب بالمسرح والشعر والبحث حول ثيماته الأثيرة، ونعني بها نقد مجتمع الحداثة، وتطوّره المزعوم، وسيطرة القوة والموقع الاجتماعي على علاقة النخب بالشعب، والعنصرية، وعلاقة الأفراد بعضهم ببعض.

وقد دأب دو كابال منذ ذلك التاريخ على تأليف الأغاني والمسرحيات والتمثيل والإخراج وكتابة الحكايات والإشراف على ورش الكتابة في مختلف الضواحي الباريسية، ومرد هذا التوجه أصوله الأنتيلية العميقة، فهو سليل ضحايا الاسترقاق، واسمه الأصلي الذي يذكّره بتلك الجذور تخلى عنه ليختار اسما فنيا من ابتكاره، ومن المسرحيات التي ساهم فيها “مالكولم إيكس” و“اعتن بحقوقك”، “وقداس لموتى 61” وكلها من تأليف محمد رواحبي، وكذلك “جمالية المقاومة” لغارنس دور.

بعد أن اهتم دو كابال ببناء هوية نابعة من تاريخ الاسترقاق الكولونيالي وما ترتب عنه، وبعد أن وضع أعمالا عن ضحايا الأعمال أو الأقوال العنصرية، ركز اهتمامه هذه المرة على حقل آخر، معيش هو أيضا، ونعني به مبدأ الذكورة وآليات صنعها.

وهو موضوع شغله منذ عام 2015، وكان عادة ما يثيره في ورشات الكلام التي يشرف عليها، والتي يسميها مخابر لتفكيك مبدأ الذكورة وإعادة تحديد مفهومه، ليس بغرض جمع تلك الأقوال وعرضها لاحقا في عمل فني، وإنما للاقتراب ممّن عانوا آثاره، ومحاورتهم في مواضيع لا تُطرح في الغالب خارج عيادات المتخصّصين، ومراكز الشرطة.

بدأ هذه التجربة عام 2016 بـ“الرجل – المرأة/ الآليات غير المرئية” تساءل فيها عن شيفرات المذكر، عقب تنظيم ورشات خاصة بالرجال يفصحون خلالها عن حياتهم الحميمة، ليعرف كيف نتخلّص من فروض مجتمع تقليدي ذكوري ترغم الرجل على أن يكون “رجلا بحق”، أي ذكرا يحكم سيطرته على نساء راضيات. وكيف نتجنب الأحكام الجاهزة التي تبني الأولاد الصغار وهم يكبرون في ظل ذكورية إجبارية وقاهرة أحيانا، ثم واصلها في العرض الفرجوي الجديد المعروض حاليا على خشبة مسرح الهضبة الباريسي، والذي يجمع بين المسرح والشعر والرقص والغناء، والذي يحمل عنوان “شروخ” وعنوانا فرعيا “صمت الرجال”.

مسرحية تعيد تحديد مفهوم مبدأ الذكورة
مسرحية تعيد تحديد مفهوم مبدأ الذكورة

وقد استدعى لتجسيده عدة وجوه تفرض حضورا لافتا، سواء عبر الآلات الموسيقية التي يستعملونها أو أصواتهم وأجسادهم، ليفكّك البنية الذهنية للذكورية وكيفية صنع مسيطرين بالجملة، وبغير انقطاع، يحملون ما يسميه التزمت الذكوري أو الأصولية الذكورية.

وعلى خشبة قسّمت إلى جانبين، تبدو الخلفية معتمة يضيئها ضوء مصفر، حيث زوجان، يتقمص دورهما الموسيقي فرانكو مانّارا والممثلة والمغنية أستريد كاتالا، يكرّران منذ سنوات نفس الحركات اليومية، في سكون تام، لا يقطعانه إلاّ بتحريك الأذرع أو الأرجل للتنقل من نقطة إلى أخرى، أو ارتداء ثوب، أو ربط الحاسوب بوَصْـلة الكهرباء.

ويبدو التكرار مخدرا، ثم يتبدى الخلاف الناجم عن سوء التفاهم عند بدء الكلام، لأن كل طرف لا ينتظر من الآخر إلاّ ما يتوقعه مسبقا، وخلاصته أن المرأة ينبغي أن تكون سعيدة، فيما يبقى الرجل يسعى بحثا عن المتعة. وفي الناحية الأخرى من البلاتو، يطل دو كابال وسط مثلث أزرق من خلف شاشة شفّافة كبيرة تظهر على صفحتها أيقونات، ونصوص تنقل ثورته، وغضبه ضد الإملاءات الذكورية.

وفي الجزء الثاني يبرز ديديي فيرمان في هيئة راقص ذي مشية نسوية، يرتدي جلبابا طويلا ويخطو برشاقة، فلا يعرف المشاهد أمام أي جنس هو، لأن الغاية إظهار ما يسميه المؤلف تجوّل الرغبة الضال. ويتخذ العرض أوجها مختلفة، حيث تروى الاعترافات، والتجارب، وأخبار التحرش الجنسي والاغتصاب، في أشكال متنوعة كالـ”سلام” والأغاني والرقص.

ولكن رغم رجاحة نقد “الأصولية الذكورية” والعنف الجنسي المسلط على النساء، فإن “شروخ” تشكو من تقمص عميق للأدوار ينقل الأحداث بشكل فني، لأنها تكاد لا تتعدى في أغلب أطوارها مجال الخطاب النظري. كقول دي دو كابال “هل تعرف ما الفرق بين جرح وشرخ؟ الشرخ متواصل، وإن كان خفيفا، الشرخ لا يلتئم ولا يبرأ.. ما هو مشروخ يعطي انطباعا بأنه قد يتكسّر في أي لحظة”.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

ابو بكر العيادي

كاتب و صحفي ومترجم تونسي مهاجر، يقيم في باريس منذ 1988. زاول تعليمه بمسقط رأسه ثم بمعهد ابن شرف بالعاصمة. أحرز على شهادة ختم الدروس الترشيحية سنة 1967. عمل بالتدريس والصحافة الثقافية والإنتاج الإذاعي. كتب القصة و الرواية والمقال والدراسة والترجمة والمسلسل الإذاعي وأدب الطفل، ووضع بالفرنسية قصصا مستوحاة من التراث العربي القديم والتراث الشعبي التونسي، كما ساهم في إعداد كتب مدرسية لأبناء الجالية في أوروبا تحت إشراف وزارة التربية والتكوين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق