المسرح العربيمهرجانات

عرض إماراتي يفتتح مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي بالشارقة / شريف الشافعي المصدر / العرب

ما زال الثلج يسقط” مسرحية تؤكد أن الفن هو مائدة التساؤلات وليس الإجابات، فإلى أي مدى وُفّقت المسرحية في خلخلة التصوّرات الجاهزة؟

يمضي المسرح العربي المعاصر في طريقه نحو الطرح النوعي المتعمق، عبر تخصيص مؤتمرات ومهرجانات دولية تعنى بشكل مسرحي محدد دون سواه، ومن هذه الثيمات الحديثة “الديودراما”، التي يحتضنها مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي بالشارقة، الذي افتتح فعالياته مؤخرا بعرض “ما زال الثلج يسقط”.

 افتتح العرض الإماراتي “ما زال الثلج يسقط” مهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي بالشارقة، وهو عرض فلسفي حركي، تتدفق فيه الأفكار الإنسانية الزاخمة المتشابكة وتموّج الصراعات حول مفاهيم الهوية والغربة وفقدان الإنسان ذاته وعلاقة الأنا الشرقي بالآخر الغربي.

بمزيج من مفردات الذهن وانطلاقات الجسد وإيماءاته وتعبيرات الكلمات وفيوضات الروح، تتشكل اللعبة المسرحية الخاصة، في العروض التي يقل فيها عدد الممثلين، سواء المونودراما (ممثل وحيد) أو الديودراما (المسرح الثنائي).

وبقدر الموازنة بين عناصر المسرحة وأبجدياتها المتشعبة، تتجسد عناصر النجاح في تقديم رؤية متسقة متناغمة، تتكامل فيها وسائل الإقناع العقلي والتأثير الانفعالي والإمتاع الجمالي.

هذا النموذج الحيّ للمسرح الحديث تتمثّله عروض الدورة الرابعة لمهرجان دبا الحصن للمسرح الثنائي (27 فبراير – 3 مارس 2019)، ساعية إلى تحقيق التميّز والتنوع والثراء المسرحي، وفق ما تصبو إليه إدارة المهرجان الذي تنظمه دائرة الثقافة بالشارقة.

وتشارك في المهرجان هذا العام 5 فرق من الإمارات ومصر وفلسطين والكويت وسلطنة عمان.

نوافذ الأسئلة

الموسيقى في العرض هي الطاقة والروح
الموسيقى في العرض هي الطاقة والروح

كعادة مسرح الثنائيات، الذي يأتي عادة مزجا بين المونودراما (براعة الأداء الفردي) والدراما الجماعية (تصاعُد الحوار وتنامي الأحداث والصراعات)، جاءت مسرحية “ما زال الثلج يسقط” لفرقة مسرح خورفكان الإماراتية، من تأليف وإخراج حافظ أمان وتمثيل الشابين عبدالرحمن المزيعل، وعبدالله المهيري، لتفجّر الكثير من القضايا الإنسانية والفلسفية، في إطار من الغوص الداخلي والتفاعلي بين أكثر من ذات.

من خلال بطلي العرض، وهما الشابان عادل وجليل، انفتحت آفاق المسرحية وفضاءات الحياة (كمسرح أكبر) على عوالم أكثر تشابكا ورحابة، حيث معاناة الأفراد والجماعات في عالمنا المادي المعاصر من أزمات الاغتراب الجسدي والنفسي، وفقدان الروح وتغييب الإنسانية وتغليب القيم التسليعية والاستهلاكية، والصراعات الحضارية التقليدية بين الشرق والغرب، وتطورها الأخير إلى أنساق إيجابية من التسامح والمحبة وفق مفاهيم التواصل والحوار والمدنية.

اعتمد العرض على عنصرين تمثيليين فقط، هما الشابان الأخوان، المتفقان والمختلفان في آن، لكنه رسم من خلال هذين الشخصين مسارات شخصيات أخرى حاضرة غائبة، منهم: الأب الحقيقي الذي تركهما دون حماية ورحل إلى وجهة مجهولة دون تفسير، والأم التي غابت عن الحياة، والأب البديل “سميث” الذي تبناهما في غربتهما، وقدم لهما واقعًا آخر تمتزج فيه الوقائع والغرائبيات والخيالات والأحلام والإحباطات.

المسرحية التي قدمتها فرقة خورفكان ترصد ملامح الخواء الإنساني وتناقش مفاهيم الهوية والغربة وعلاقة الأنا والآخر

يمكن القول ببساطة إن حافظ أمان المؤلف، تفوّق بعض الشيء على حافظ أمان المخرج، فالمسرحية تفتح العشرات من النوافذ على الأفكار الذهنية والفلسفية المتعمقة، من خلال حكاية الشابين اللذين فقدا الأب والأم الحقيقيين، بمعنى الجذور والأسرة والوطن والهوية إلخ، ولم يعوّضهما الأب الغربي “سميث” عن واقعها المسلوب رغم بذله كل الجهود الممكنة ليكون أبا بديلا نبيلا وكريما، ومن ثم فقد اتفق الأخوان في الإحساس بالفقدان والتغييب في غربتهما، واختلفت ردود أفعالهما إزاء التعايش مع الواقع الجديد.

هذا الاختلاف بينهما في التفاعل مع المجتمع الجديد المغاير، فجّر حالة متنامية من الحوار والصراع، تجسّدت ملامحها في أسلوبهما في الحياة، بداية من الملبس والمأكل، مرورا بطريقة التفكير، وصولا إلى الرغبة في مواصلة الحياة أو الانسحاب منها، إذ “لم يعد شيء حقيقي في المدينة المتجمدة”، تلك المدينة التي “ما زال الثلج يسقط” فيها، وفق عنوان المسرحية.

في حين يبقى أحد الأخوين عائشا بدرجة كلية في الماضي، بروحانياته وأصالته وقيمه وعمقه الحضاري وعبقه التراثي، فإن الآخر يبدو مذبذبا، فنصفه شرقي ونصفه يحاول أن يكون غربيًّا، ليتفاعل مع المعطيات الجديدة.

ومن خلال حوار بدا أحيانا مطوّلا أكثر من الحد المقبول على خشبة المسرح، طرح العرض الكثير من التساؤلات العميقة حول مفاهيم الوجودية والهوية والحماية والأبوة والاستقلالية وغيرها، مما يكون مستساغًا في عمل مقروء كالرواية مثلا أو حتى مسرحية مقروءة، لكن يبدو إنشائيًّا ومغرقًا في التصعيد الجدلي وربما الصعوبة بالنسبة للمتفرج العادي الذي يقصد المسرح للمشاهدة الواحدة، ولا تتوفر لديه فرصة كبيرة للتأمل وإعادة التلقي مرة تلو الأخرى.

معنى الحياة وقيمتها

الثلج لعبة محببة وأغنية رشيقة
الثلج لعبة محببة وأغنية رشيقة

الصراع الملحمي الفلسفي بين النقيضين، صوّره المؤلف على أكثر من مستوى، ورمز له بأكثر من مُعادِل، ومن أبرز هذه المؤشرات عنصر الموسيقى المحوري الجوهري، فالموسيقى في العرض هي الطاقة والروح، بغيابها يصير الجسد وعاء مظلما، وبعودتها تعود الحياة والنور.

الخلاف على تذوق نمط الموسيقى بين الأخوين هو خلاف على معنى الحياة وقيمتها، فأحدهما يعمل عازفا ولا يكاد يفارق غيتاره، والآخر ينصحه بتغيير لون الموسيقى الذي يقدمه، ليصير أكثر روحانية وإحساسا بالجوهر الإنساني المتقد والمشاعر الجيّاشة، فبمثل هذه الموسيقى فقط دون غيرها يمكن تفسير كل شيء، وإطفاء نار الغربة فينا، وتشكيل أجسامنا المتهدمة من جديد.

بالإيقاع المتجانس، والموسيقى القلبية الملائمة، سيتحول “المسخ” إلى إنسان مرة أخرى، ليرقص الأخوان معا رقصة البهجة والحياة، متعانقين متشابكين كما كانا يفعلان وهما طفلان صغيران، بمصاحبة أنشودة فيروز الشهيرة “أنا وشادي”، حيث كان الثلج لعبة محببة وأغنية رشيقة.

السينوغرافيا جاءت أقل من المتوقع، رغم اعتماد المخرج على تقنية المرايا المنصوبة على المسرح، والتي يمكن تحريكها وتغيير وجهتها

قدّم الشابان عبدالرحمن المزيعل، وعبدالله المهيري، أوراق اعتمادهما كممثلين متمكنين من أدواتهما في الأداء والتعبير القولي السلس باللغة العربية الفصحى، رغم بعض الهنات النحوية التي كان ينبغي مراجعتها، وأجادا في الانفعالات والإيماءات، والحركة على المسرح، وأداء العديد من الرقصات والاستعراضات الصعبة المعبّرة عن حالات الدوران حول الذات، والتجاذب والتنافر بينهما في المواقف المختلفة، منذ صغرهما حتى المنعطف الأخير من حياتهما في الغربة.

وأسهمت إضاءة سالم العسيري وديكور حسن يوسف في إبراز ضبابية المشهد، وسوداوية الحياة في المجتمع القاتم الذي لا بياض فيه سوى الثلج، ولم تقدّم الموسيقى المأمول منها، إذ اعتمدت بشكل أكبر على المؤثرات الصوتية لعبدالله المهيري والأعمال الموسيقية القديمة المستعادة، وكان يجب أن يقدّم العرض إبهارا في التأليف والتوزيع الموسيقيّ، خصوصا أن أحد البطلين عازف محترف، وفلسفة الموسيقى واختلافات أنماطها لها دور كبير في بلورة فلسفة العرض.

المأخذ ينحصر في الأفكار المجردة والحوارات المسهبة على التعبير الحركي، والذي جاء قليلا، باستثناء الاستعراضات والرقصات التي كسرت حاجز السكون، كما أن السينوغرافيا جاءت أقل من المتوقع، رغم اعتماد المخرج على تقنية المرايا المنصوبة على المسرح، والتي يمكن تحريكها وتغيير وجهتها، لكن الاستفادة من تدويرها جاء لاستعادة ذكريات قديمة أو أحداث فيلم سينمائي يدور حول فكرة الغرق، وما إلى ذلك من مداخلات تعبيرية، بدت كأنها تخدم الأفكار الذهنية والفلسفية أيضًا في المقام الأول.

تؤكد مسرحية “ما زال الثلج يسقط” بأن الفن هو مائدة التساؤلات وليس الإجابات، وفي خضم ما طرحته من تساؤلات حول الجذور والهوية وموقف الذات من الآخر، يمكن مساءلة المسرحية ذاتها حول مدى التزامها بالهوية المسرحية المتناغمة بالمعنى المدرسي، وإلى أي مدى وُفّقت المسرحية في خلخلة التصوّرات الجاهزة حول التناسق بين العناصر المسرحية المعروفة؟ هذا هو امتحان المسرحية الأصعب الذي كان عليها الاستعداد له بمزيد من التكثيف والتوازن والحيوية.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

الخشبة

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق