فرائس : نص مونودراما /عبد الحسين ماهود


اضاءة
كي أجيبب عن سؤال لك، ينبغي في البدء أن تؤدي التحية
                                   المؤلف

المشهد الأول
في المنزل
المالك ( مالك المنزل ) :  (يردد على ضربات الطبول بإيقاع يثير التوتر ) الحرب ، الحرب الحرب الحرب
 أشعلت فتيلها الحرب
ومن نيران الحرب ، النيران التي طالت المنازل
استمدت سخونتها الأرض
الحرب الحرب الحرب
كنت رحيمة أيتها الأرض، حبلى بالعطاء قبل سخونتك؟… وكم كنت آمنا أيها المنزل قبل اندلاع الحرب ؟
الحرب نقمة ، تنأى عن التفكير الصائب لتحاشيها ، ولكنها ، حين تستهدف تحرير أرض سليبة … لا تخلو من التقديس
لولا الحرب لما كان منزلي بين مرميين رسما حدودا لساحة معركة طاحنة بين خصمين لدودين ، أولهما صديق محرر وثانيهما عدو محتل رفع على سطح منزلي رايته …أفراده وفدوا من كل حدب وصوب بعد أن لفظتهم الأعراف في بلدانهم… انهم يعيثون بنا قتلا وتدميرا ،  في محاولتهم تجسيد خرافتهم ، خرافة تتمثل ببناء دولة أثبتت وقائع الميدان بأنها لن تبقى أو تتمدد…
(يصغي الى اصوات انفجارات بعيدة ) فيما مضى من حرب… ما كان منزلي هدفا لمرمى المدافع …
فيما مضى من حرب جوفاء… كنت جنديا أغادر منزلي،  قاطعا المسافات الطويلة وصولا الى الساتر ،  اداء مني للخدمة العسكرية، خدمة العلم …
وخدمة العلم… ضريبة الرجولة التي يؤديها كل بالغ (سالم مسلح ) في ذلك العهد المباد ،  وهو يرتدي بدلته الكاكي  ويعتمر  خوذته الحربية ويتنكب سلاحه على الدوام ( يرتدي البدلة العسكرية ويعتمر الخوذة الفولاذية ) اثبت … استعد… عادة سر (يسير على نغم المارش العسكري ) الكل قف ( يتوقف عن السير )
في الساتر،  حين اشتدت  المواجهات المسلحة بين القطعات المتحاربة… أصبت بطلق ناري اخترق الجانب الأيمن من صدري   فقالوا لي :
– لقد نلت وسام البطولة
الوسام المقصود هنا… هو ذلك الجرح الذي ألم بصدري
الجرح أرحم من خيارات  أقسى…  كأن تستشهد …يعني أن تموت بطلا… عندما تخر في الساتر صريعا…الذي يحدد استشهادك هو عينه من يرسلك الى الحرب، وهو عينه من ينعتك بالتخاذل عندما تموت معدوما، بعد فرارك من ميدان الحرب …
في تلك الحرب… لم يعترف أي من الخصمين المتحاربين بفداحة خسارته ، رغم ما حصدته المعارك من أرواح ودمرته من بنى تحتية…
الحرب نقمة… تنأى عن التفكير الصائب لتحاشيها… ذلك لأنها الحرب
الحرب … الحرب الحرب  الحرب
أشعلت فتيلها الحرب
ومن نيران الحرب
النيران التي طالت البيوت
استمدت سخونتها الأرض
الحرب الحرب الحرب

المشهد الثاني

المالك :  فيما  مضى من نهارات مشمسة… شيد أبونا رحمه الله منزله وأظهره بحلة بهية… ما جعل المرحومة أمنا تصوب نظرها نحو زمن آت… زمن نجد فيه فلذات الاكباد يولدون وينشأون ويترعرعون في رحابه ،  وهذا ما حصل بالفعل… ولدت أنا في طليعة من ولد من بعدي، ونشأنا معا في كنف الأبوين … حتى تفرق الجميع الا أنا … أنا الوحيد من بينهم من اختار هذا المنزل سكنا دائميا له
أجزم أبي قبل موته ،  بقوله لي :
– البيت وطن مصغر ،  واجهة انتماء للوطن الكبير …  وبدونه يختل  الشعور بالمواطنة … 
وأوصاني بصرامته المعهودة …
– لا تتخل عن بيتك تحت أي ظرف … لأنه سيبقى ملاذا لك، ولمن تتقطع به السبل من اخوتك …  وسيصبح فيما بعد، يصبح موطنا للآتين من صلبك
(يسمع صوت انفجارات قريبة ) رحمك الله يا أبي وأقدر فيك صرامتك ،  مع كل هذا الايقاع المدوي لتساقط القذائف حذو البيت ،  حتى باتت امرأتي  تعرب عن  حيرتها …
– ها قد ضيعنا الدروب
– اي الدروب  تعنين ؟ …  سألتها
– الدروب الآمنة… أجابت
– تلك المؤدية للنزوح ؟
– نعم
– ولكن ماذا عن منزلنا ؟
تألمت ثم قالت :
– يظل المنزل نهبا لنيران القذائف التي قد تسقط عليه أو مشروعا للاقتحام من قبل الارهابيين
 بحزم  رددت …
– ولكنه أمانة  في أعناقنا وعلينا تحمل مسؤولية صيانته ، رغم أن الموت يترصدنا  فيه  …  لابد أن نتوحد مع المنزل ،  أن نربط مصيرنا بمبناه  …
– وهل لك أن تدافع عنه ؟
– نعم
– بأي وسيلة ؟
– لدي سلاح شخصي لا يعدو عن كونه مسدس … مسدس بإطلاقتين،  أطلقهما على العدو وأموت
– وماذا عني ؟
( يردد على ضربات الطبول بإيقاع  يبعث على الحيرة )   
الحرب … الحرب الحرب  الحرب
أشعلت فتيلها الحرب
ومن نيران الحرب
النيران التي طالت المنازل
استمدت سخونتها الأرض
الحرب  الحرب  الحرب


المشهد الثالث

المالك : (يتلصص النظر من طيات ستار النافذة  المعتم )  ثمة ارهابي في الزقاق…  انه يقطع الطرقات جيئة وذهابا ، تحميه فوهات بنادق القناصين القابعين في أعالي المنازل … هو يبحث عن طريدة … الطريدة …أي كائن حي،  جريرته انه يتحرك في الزقاق …
هو يقتل الآخرين بدم بارد،  ولا يفكر بغير القتل مصيرا له ، تمثلا بأقوال ترسخت في ذهنه المريض، كقولهم…طريق الله طويل، ونحن نمضي فيه كالسلحفاة ، وليس الغاية… أن نصل لنهاية الطريق ، ولكن الغاية… أن نموت على الطريق …
تلك فلسفة تحتقر الحياة،  ومعها… يضيع هذا الوغد الطريق الى الله …
صوت بالإيكو : انذار …انذار… انذار  …الى أهالي المدينة … تحتم عليكم المكوث في منازلكم، وعدم مغادرتها مهما كانت الأسباب … الخارج من منزله مقتول، وقد أعذر من أنذر … اللهم اني قد بلغت …  اللهم فاشهد
المالك : ها هو ينادي، موجها انذاره الينا … انه يمنعنا عن سلوك الطرق الآمنة التي انتخبها لنا أصدقاؤنا الجنود بقصد النزوح …
– ما علينا اذن سوى أن نكمن في المنزل
– وهذا عين الصواب يا خديجة
–  ولكن ، ماذا لو ان باب منزلنا قد طرق ؟       
– سأندفع لفتحه،  مرحبا بالطارق
– من الطارق في رأيك ؟
– جارتنا مريم ، تأتي كي تسأل عن أحوالك
– كيف تأتي والطريق …
– لا تستغربي ،  أنا  أصرح بما أتمناه، لا بما قد يقع بالفعل …لا لشيء الا لأنني لا أرغب في أن أثير حفيظتك
– ما حالها الآن …مريم ؟
– كيف لي أن أعرف بحالها ؟… انقطعت أواصر الجيرة بيننا … انها تتحمل قدرها دون أن تحظى بيد تمتد للمساعدة والانقاذ
– هل لنا أن نفعل شيئا لخدمتها ؟
– حين يأتي الجنود سنوصيهم بها
– متى يأتي الجنود ؟
– يأتي الجنود عندما تسقط راية  الغزاة من سطح منزلنا
(يقترب من النافذة … يتلصص النظر من طيات ستارها المعتم ) في المنزل المقابل كان لنا جيران، غادروا  المنزل خلسة بقصد النزوح،  ولكن نيران القناصين كانت تترصدهم…لم يعد الى المنزل سوى مريم، مريم التي أخفقت في النزوح بسبب  اصابتها بجرح في ساقها ،  أسقطها عند باب منزلها ودفعها الى دخول المنزل بخطوات متعثرة
مسكينة مريم لا لشيء الا لأنها الحرب ( يردد على ضربات الطبول بإيقاع يشعر بالألم )
الحرب … الحرب الحرب  الحرب
أشعلت فتيلها الحرب
ومن نيران الحرب
النيران التي طالت المنازل
استمدت سخونتها الأرض
الحرب الحرب الحرب

المشهد الرابع

المالك : هههههها…… يشغلك الغد الى الحد الذي تفكرين… ماذا ستطبخين فيه ؟!
– يا لك من ارهابي ،  تسلبني تفكيري
– خديجة … أنا  لا أسلبك التفكير بل أدعو تفكيرك الى التمسك بلحظة الواقع المعاش
دعتها اجابتي الى الغور في الذهن، والعودة الى  ما مر في بالها  من مخاوف …
– ماذا لو أن الباب يطرق ؟… يطرقه الارهابي هذه المرة
– الارهابي لا يطرق الباب ، انما يكسره … فيقتحمنا
– عند ذاك سنكون بمواجهته
– نعم
– ما الذي سنفعله بمواجهته ؟
– لدي سلاح شخصي
– لا يعدو عن كونه مسدس
– بإطلاقتين
– سرعان ما تنفذان
– فيقتلني ان لم أقتله
– ويقتلني معك ؟
– لا، بل يعرض جسدك لجهاد النكاح
استشاطت خديجة غضبا على ما تلقته من قول صادم … راحت تهذي
تهذي وتهذي… يا لي من أحمق ، ما كان لي أن أعبث بمشاعرها … خديجة  خديجة … ولكن خديجة ضاقت ذرعا بفضاء البيت الخانق…  فقادتها قدماها نحو باب المنزل
صوت مريم:  (مناديا ) خديجة
المالك : خديجة تقول …انها مريم تستنجد بي … فتهرع نحو الباب … وتفتحه دون حيطة
 (صوت اطلاق رصاص )
المالك: صمتت خديجة … المرأة المكلومة صمتت هي الآخرى…
يا ويلتاه ، حققت مريم موتا جماعيا مع خديجة ،  موتا أعاد أواصر الجيرة بطريقة دامية …
ايه خديجة !…ستعبث جدران المنزل بمشاعري … ستبعث في نفسي الغثيان  سيتراءى لي وجهك مرسوما على الجدران  يا خديجة
خديجة !… لا قدرة لي على العيش بدونك ( أصوات اطلاقات نارية وانفجارات تهز الأرض ، يعقبها طرق قوي غلى الباب ) لا، لا، لا أفتح الباب  وسأكون بمواجهة من يكسره ( يشهر سلاحه …يصوبه نحو الباب حتى يسمع كسر الباب … يرمي اطلاقة صوب الباب … يسمع صرخة مكتومة … يتحرك في المكان متوترا )
صوت1 : من في المنزل
المالك : أدخل ( يطلق النار على الداخل فيسمع منه صرخة مكتومة ) لم يبق لي غير الاستسلام للقادم الثالث
صوت2 : السلام عليكم يا أهل الدار
المالك : ( بفرح ) وعليكم السلام أيها البواسل
صوت2 : أمعكم غرباء لاذوا بالفرار عن مواجهتنا؟
المالك : اثنان، وقد قتلتهما
صوت2 : سلمت يدك ايها البطل… اصعد اذن فوق سطح منزلك وأزل من السارية راية الأوغاد
المالك : بكل السمع والطاعة (يتحرك نحو جثتي الارهابيين اللذين قتلهما ) جثة ، وجثة أخرى ( يتأمل الجثتين ) لقد شددتم الرحال  في الطريق الى الآخرة، ايها الواهمين في الفوز بأحضان الحور هناك… كنت اخال نفسي معكما اشبه بشاة تعد نحرها للذبح  بنصل سيف احدكما …
( يتجه نحو السطح ) ان لم تنته الحرب فالفضاء متاهة
 متاهة تفتقر الى مصدات تزعزع طود شموخها
 ومع افول الحرب سنبتكر للفراشات مخالب
مخالب نستبدل فوهات المدافع بها، ونصوبها نحو الفرائس
 فرائس لا تعدو عن كونها ريح
ريح لا تثير غير حفيف … حفيف الشجر…
هل تضع الحرب اوزارها ؟… نعم ( يزيل الراية عن السارية ويستبدلها بالعلم العراقي )
النـــهاية

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق