في ذكرى رحيل المؤلف المسرحي السوري سعد الله ونوس سيزيف الذي عاش محكوما بالأمل

د.محمد التهامي العماري·

رحل سعد الله ونوس في الخامس عشر من شهر ماي من سنة 1997 بعد صراع طويل مع المرض. وهو يعدّ من أكبر كتاب المسرح العرب في النصف الثاني من القرن العشرين وبداية الألفية الثالثة. مثقف وطني اتّخذ الفنّ الدرامي شكلا للتعبير عن قضايا مجتمعه وأمّته، ووسيلة لتغيير الواقع والتأثير في التاريخ.

ولد سعد الله ونوس بقرية صغيرة تابعة لمحافظة طرطوس السورية سنة 1941. وبعد حصوله على الشهادة العامة، سافر إلى مصر حيث حصل على الليسانس في الصحافة من كلّيّة الآداب بجامعة القاهرة سنة 1963، ثمّ سافر بعد بثلاث سنوات إلى فرنسا في إجازة دراسية ليطّلع عن كثب على الثقافة الأوروبية ويدرس المسرح، لكنه سرعان ما عاد إلى بلده إثر نكسة 1967. وبعد بضعة أشهر في سوريا، قفل راجعا إلى فرنسا حيث عمّق معرفته بالتيارات المسرحية والفكرية والثقافية هناك، وساهم بمعية مجموعة من المثقفين في التعريف بالقضية الفلسطينية، والنضال من أجل حقوق الشعب الفلسطيني.

عاد إلى وطنه سنة 1968، وانخرط في الحياة المسرحية والثقافية والفكرية في سوريا والعالم العربي.

أمّا عن مسيرته الإبداعية، فقد درج النقاد على تقسيمها إلى ثلاث مراحل:

-البدايات، وفيها أبدع عددا من المسرحيات القصيرة منها “جثة على الرصيف” و”مأساة بائع الدبس الفقير” و”المقهى الزجاجي” و”الجراد” و”الرسول المجهول في مأتم أنتغونا“. وتمتدّ هذه المرحلة بين سنتي 1963 و1967.

-مرحلة الالتزام اليساري والهاجس الإيديولوجي المسكون بتفكيك بنية السلطة، ويشمل مسرحيات “حفلة سمر من أجل 5 حزيران” (1968) و”الفيل يا ملك الزمان” (1969) و”مغامرة رأس المملوك جابر” (1970) و”سهرة مع أبي خليل القباني” (1972) و”الملك هو الملك” (1977) و”رحلة حنظلة من الغفلة إلى اليقظة” (1978).

-مرحلة العناية بالذات والنوازع الذاتية، وتمتدّ من 1989 إلى 1997، وفيها أبدع الكاتب مسرحيات من قبيل: “الاغتصاب” (1989) و”منمنمات تاريخية” (1992) و”يوم من زماننا” (1993) و”طقوس الإشارات والتحولات” (1994) و”ملحمة السراب” (1995) و”الأيام المخمورة” (1997).

يظهر من هذا التحقيب لمسيرة الراحل الإبداعية أنّها كانت مسيرة دينامية، تنمو وتتطوّر في تفاعل جدلي مع هموم الذات وانكسارات الواقع وتقلّبات التاريخ. والحقيقة أنّ هذا الكاتب الفذّ ربط مصيره بمستقبل شعبه غير آبه بجاه ولا ثروة… فكان فنانا صادقا تفانى في الدفاع عن القيم السامية والمثل الإنسانية العليا مع حرص على جمالية الشكل وجدّة القالب.

لقد عالج سعد الله ونوس في مسرحياته أهم القضايا الاجتماعية والقومية والإنسانية بحسّ جمالي مرهف، ووعي فني متّقد. تناول مواضيع التخلّف والظلم والقهر والعدوان والتسلّط والاستغلال والتشرّد والنفاق… وهو إلى ذلك قرن الكلمة بالفعل، والتفكير بالممارسة. وبذلك فرغم مرور ما يربو عن عقدين على رحيله، ما زالت كتاباته وأفكاره تحافظ على راهنيتها، بل تبدو مع مرور الزمن أكثر راهنية مما كانت، لاسيما مع التحولات العاصفة التي أصابت كثيرا من أقطار العالم العربي، ولاسيما بلده سوريا. وهو أمر يؤكّد أن سعد الله ونوس كان يتمتّع بحدس تاريخي وحسّ مستقبلي قلّ نظيرهما. حسّ استمدّه بلا شكّ من شعوره العميق بنبض الواقع، وإحساسه بحركية التاريخ. وتتّخذ هذه الراهنية صورا كثيرة يمكن إيجاز بعضها فيما يلي:

  • لقد تكهّن سعد الله ونوس بالمآل الذي سيؤول إليه وطنه سوريا بعد عقدين من الزمن في ظلّ نظام مستبد، نظام مستعدّ لأن يشرّد شعبا بكامله، ويطلق يد الأجانب والغرباء في البلاد يستغلوا خيراتها، ويستعبدوا أهلها، حتى يحافظ على بقائه. ورد في مسرحية رأس المملوك جابر حوار يناقش فيه عبد اللطيف، وهو أحد أمراء بغداد، الوزير الذي عزم على الاستعانة بقوات أجنبية للإطاحة بالخليفة والاستئثار بالحكم:

عبد اللطيف: ليس سهلا أن نطلب غزوا أجنبيّا دون تقدير للموقف. أنت تعرف ماذا يعني الجيش الغازي عندما ينتصر. إنّه خراب طائش قد تستحيل السيطرة عليه.

الوزير: ولكن الجيش الغازي يأتي ليحمي مصالحنا، ويجهّز لنا كرسي السلطة. فما يهمّنا بعد ذلك؟ بالتأكيد سيكون هناك خراب. لن يدخل الجيش بالدفوف والغناء، ولن يوزع الورود والعطور. هذه حرب، يقتلون ويخربون… طبعا لمن يبقى من ذريّة الخليفة حيّ، وستصبح قصورك خرائب، كما لن يوفّروا المدينة. هي الأخرى سينهبونها. على أيّ حال هذه ضريبة الانتصار. أمّا نحن، فماذا يخيفنا؟ ليدعموا لنا السلطة. فهل نطلب أفضل من ذلك؟”[1]

هذا الحوار المقتضب الذي كتب في بداية السبعينيات من القرن الماضي يختزل على نحو موجز وبليغ الوضع السوري اليوم، حيث يتمسّك نظام مهترئ بسلطة صوريّة ما كانت لتستمرّ في الوجود لولا استعانتها في قمع الشعب بالقوى الأجنبية.

  • لقد سعى ونوس في بداية مسيرته الفكرية والإبداعية إلى تغيير الواقع بالمسرح. آمن بأنّ للفنّ المسرحي قدرة على تحريض الجماهير وتعبئة الحشود للثورة على الأوضاع، وتحقيق التغيير المنشود. لكنّه ما لبث أن تنبّه إلى أنّ قدرة هذا الفنّ على التأثير محدودة في مجتمع يعشش فيه الجهل، وتنتفي فيه الحرية والثقافة. لذلك رأيناه يتوقّف عن الكتابة الإبداعية طيلة عقد الثمانينيات، وينصرف إلى العمل الفكري، بحيث أكبّ على النبش في التاريخ بحثا عن تفكيك مفهوم السلطة، وفهم إوالياتها وأشكالها، مسائلا المثقف، ممحّصا أدواره ووظائفه.

لقد اقتنع ونوس أنّ المسرح، ومعه الفن باختلاف أشكاله، لن يستطيع تغيير المجتمع إلا إذا مهّد له تغيير سابق يمسّ الذهنيات والتمثلات. هذا التغيير الفكري والثقافي هو المدخل إلى تغيير المجتمع وتمنيعه ضد النزعات المتطرّفة، والحركات الغوغائية بمختلف أشكالها. ولعلّ هذا هو ما جعله ينخرط خلال الثمانينيات من القرن العشرين في مشروع فكري ثقافي كبير، سعى إلى إحياء محاولات التنوير العربي، وهو إصدار الكتاب الدوري “قضايا وشهادات” برفقة الكاتب الروائي عبد الرحمن منيف والناقدين فيصل دراج وجابر عصفور.[2]

وقد رأينا كيف ثارت كثير من الشعوب العربية على الأنظمة المستبدّة الفاسدة فيما سمّي بالربيع العربي، وكيف نجحت في أسقاط بعضها، لكن غياب الخلفية الفكرية والثقافية الصلبة، وانعدام الوعي التاريخي، سهّل السطو على تلك الثورة، ويسّر عودة الأنظمة السابقة تحت أقنعة جديدة.

إنّ العالم العربي اليوم، الغارق في الصراعات الطائفية، والنزاعات المذهبية، المهدّد بالفكر الجهادي المتطرّف، لهو أحوج ما يكون إلى أفكار ونوس، وتحليلاته القائمة على أنّ التغيير ينطلق من تغيير الذهنيات، وتحرير العقول من الجهل والخرافات والأوهام.

  • تتجلّى راهنية ونوس كذلك في تعامله مع التاريخ، وتوظيفه إياه لفهم الحاضر ورسم الطريق إلى المستقبل. فالعالم العربي اليوم بحاجة، وأكثر من أيّ وقت مضى، إلى مراجعة تاريخه، وإعادة قراءته على أساس علميّ نقديّ يسمح له بأن يستوعب واقعه الراهن المعقد والمتشابك، وأن يرسم مستقبله.

لقد دعا ونوس إلى إعادة كتابة تاريخنا بتجرّد من النظرة التقديسية والنزعة الرومانسية وتمجيد الذات. يقول: “إن التاريخ الذي نحتاجه هو ذلك التاريخ الذي يكتب بتجرّد علمي متحرّر من وطأة المقدس ونزعة تمجيد الذات. إن الشعوب المعوّقة، والتي تتعثّر في تلمّسها للمستقبل هي التي تحتاج إلى تمجيد ماضيها والتغني المتواصل بهذه الأمجاد. وفي هذه العملية يتمّ تزويران يزيدان المعوّق تعويقا، ويجعلان الدخول إلى المستقبل أبعد منالا. ففي تمجيد وتبييض الماضي، إنّما نزوّر هذا الماضي، ونجعل فهمه ودمجه في تجربة الحاضر أمرا متعذّرا. كذلك فإنّ التشدّق المتواصل بهذه الأمجاد، يعطي الحاضر امتلاء زائفا، ويخفي إحساسنا المر بالعجز تحت بيارق مجد واهم وزهو أحمق. إنّ هذه الآلية الهروبية هي التي تجعل جماعات سياسية ومثقفين لا يرون المستقبل إلا في الماضي.”[3]

وهو لا يوكل مهمّة إعادة كتابة هذا التاريخ للمؤرخ وحده، بل جعل للأديب فيها نصيبا أيضا.  بل ذهب إلى أنّ رؤية الأديب قد تكون أشدّ عمقا وحصافة من رؤية المؤرّخ الخاضع لإكراهات المؤسسة وضغوطها. يقول: “إنّ الأديب يستدرك على تخاذل المؤرخ، ويساعدنا على تلمّس وعي تاريخي هو وحده الكفيل بانتشالنا من الإشكاليات الزائفة التي تسدّ الطريق إلى المستقبل.”[4]

ومثلما دعا ونوس إلى إعادة كتابة التاريخ العربي، وتمحيص أحداثه، دعا كذلك إلى ضرورة التسلح بالوعي التاريخي في التعامل مع قضايا الواقع الراهن، ومحاولة فهمه وتفسيره. وهو يعني بالوعي التاريخي: “وعي الواقع لصيرورة مركبة، وعلى مستويين. مستوى التاريخ المحلّي، حيث تتضمّن صيرورة الحاضر روافد صيرورة الماضي، وخمائر صيرورة المستقبل، والمستوى الثاني هو التاريخ الكوني، حيث تتفاعل صيرورة الواقع عبر الجدل والصراع مع صيرورة عالمية متعدّدة الاتّجاهات والأزمان والغايات…”[5]

لقد استلهم ونوس وقائع التاريخ وشخصياته في كثير من مسرحياته، ووظفها للتعبير عن قضايا الواقع وإشكالاته الراهنة. نجد ذلك واضحا في مسرحيات “رأس المملوك جابر” و”الفيل يا ملك الزمان” و”الملك هو الملك” و”منمنمات تاريخية”. وهو حين يوظف تلك الأحداث والشخصيات لا يكتفي باستنساخها كما هي، بل يخضعها لنظرة نقدية ومراجعة متبصّرة ليضعها في سياقها، ويقرأها في ضوء الصيرورة التي أنتجتها.

إنّ الوعي التاريخي عند ونوس ينطلق من الواقع في سبيل تحصيل وعي مطابق للمرحلة التاريخية وواقعها الشاخص، والانغماس في الراهن لبلورة وعي بالمشكلات والقضايا والتحديات القائمة، كلّ ذلك من منظور دينامي يقرّ بتاريخية الماضي والحاضر والمستقبل.

إنّ هذا الوعي التاريخي المتّقد هو الذي جعل ونوس دائم البحث، مواظبا على مراجعة يقينياته، ومساءلة أفكاره ومبادئه وقيمه قصد معرفة الواقع بلا أوهام، واستكناهه بعمق ونفاذ. يقول مثلا في رسالة إلى عبلة الرويني عن الفترة التي كان يؤمن فيها بالنظام الاشتراكي والإيديولوجيا الماركسية كسبيل لتحرير المجتمع من سطوة الرأسمالية: “هل تظنّين أنّ بوسع الاشتراكية أن تحقّق مجتمعا اشتراكيا إن لم تكن مؤسّسة على مجتمع انصهر، تبيّن وانفتح في سياق ليبرالي… ثمّ ألم تكن واحدة من أخطائنا الكبيرة –نحن الماركسيين- أنّنا لم نقدر ثراء الليبرالية، وأنّه دون العقلانية وحرية السجال ما كان بوسع الانتماء الماركسي أن يكون إلا شكلا جديدا من أشكال الانتماء اللاهوتي، منغلقا على نصوصه وشعاراته.”[6]

واضح كيف أنّ ونوس يرفض تحويل الماركسية إلى عقيدة مغلقة ونهائية، وكيف أنّه يقرؤها ويؤوّلها في ضوء تحولات الواقع، ومستجدات التاريخ. فهو لا يجد غضاضة في فتحها على الليبرالية، بل يعتبر ذلك شرطا لبناء مجتمع اشتراكي سليم. وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على أنّ ونوس كان مبدعا ومثقفا يتفاعل مع الواقع، ويواظب على إعادة النظر في أفكاره وتصوراته حتى تتساوق مع ذلك الواقع ومع حركة التاريخ.

لقد كان ونوس فنّانا مبدعا، ومثقفا تنويريا طليعيا، ومناضلا ملتزما تحمّل المسؤولية في محاربة القمع والتسلط والاستغلال والفكر الظلامي، وفي الدعوة إلى الحرية والديمقراطية والتوزيع العادل للثروات والعقلانية وتيسير سبل التعليم. وما أحوجنا اليوم إلى مبدعين ومثقفين من طينته، مثقفين قادرين على الفعل والتأثير رغم التهميش وسطوة ثقافة الاستهلاك وانتشار قيم السوق. لقد كان سعد الله ونوس يرى أنّ المثقف مثل “سيزيف [عليه] أن يحمل هذه الصخرة، ومحكوم بألا يتوقّع -ولاسيما في هذه الأيام الكسيفة- أيّ تعويض. ينبغي أن يقبل هامشيته، وأن يواصل عمله. ليكن شاهدا أو خميرة. ليكن صوتا صارخا في البرّيّة أو ليكن إرهاصا. المهمّ هو ألا تساوره الأوهام حول دوره، وألا يغفل، ويترك الهزيمة تتسلل وتهزم وعيه.

وإذن، فلنحمل هذه الصخرة… ولنواصل…”[7]

رغم النكسات والخيبات والانكسارات، ظلّ سعد الله ونوس يحافظ على جذوة الأمل بداخله، ويؤمن بأن الغد سيكون أفضل. أليس هو القائل: “إننا محكومون بالأمل، وما يحدث اليوم لا يمكن أن يكون نهاية التاريخ“؟[8]

  • ناقد مسرحي ومترجم من المملكة المغربية.

[1] -سعد الله ونوس: مغامرة رأس المملوك جابر، الأعمال الكاملة، م1، ص.168.

[2]-صدر منه في حياته ستة كتب: طه حسين: العقلانية، الديمقراطية، الحداثة(1990) – النهضة، التحديث، القديم والجديد (1990) – الوطني، الاختلاف، حداثة الآخر(1991) – التبعية التراث الممارسة(1991) – الوطني العقلاني الثوري (1992) – الأدب، الواقع، التاريخ (1992). وقد صدر الكتاب السابع بعد أربع سنوات على وفاة سعد الله ونوس بعنوان: “سعدالله ونوس: الانسان، المثقف، المبدع” (2000).

[3]– سعد الله ونوس ومنمنمات تاريخية، حوار أجراه مع الكاتب ماهر الشريف، الأعمال الكاملة ج 3، الأهالي للطباعة والنشر، دمشق 1996، ص.670/671

[4] -سعد الله ونوس ومن منمنمات تاريخية، حوار أجراه مع الكاتب ماهر الشريف، الأعمال الكاملة ج 3، ص.667/668.

[5] -سعد الله ونوس: الثقافة الوطنية والوعي التاريخي، الأعمال الكاملة ج 3، ص 543.

[6] – من رسالة ونوس إلى عبلة الرويني وردت في كتابها: حكى الطائر سعد الله ونوس، مكتبة الأسرة، سلسلة الأدب،  ص.31.

[7]-سعد الله ونوس: الثقافة الوطنية والوعي التاريخي، الأعمال الكاملة، ج 3، ص.571.

[8]-من الرسالة التي ألقاها في يوم المسرح العالمي لسنة 1996، والتي كلفه بصياغتها المعهد الدولي للمسرح التابع لليونسكو.

للتواصل مع الكاتب  : elammarimohamed3@gmail.com

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق