المسرح العراقيمقالات

قراءة استعادية لمسرح عادل كاظم / د. سعد عزيز عبد الصاحب

لا يمكن تأشير اللحظة الفاصلة بين مرحلتين من تأريخ المسرح العراقي المعاصر والقديم دون المرور بمسرح عادل كاظم الدرامي لأنه حقا محطة حرية بالفحص والرصد والدراسة الدائمة ،فهو يحمل في طياته ثنائيات واستبطانات فكرية وجمالية مثلت ثقافة مرحلة اجتماعية حملت متغيرات عديدة بتأثيرات الثقافة العالمية ..

فمسرحه وظف ما استجد من مبتكرات على صعيد الشكل والمباني الدرامية قادمة من احدث الاتجاهات والتيارات المسرحية والفلسفية الاوربية في حينها ابان حقبة الستينات كمسرح العبث واللامعقول ومسرح الرفض والاحتجاج والمسرح الملحمي البريشتي وتلاوين من المسرح التسجيلي لـ(بيتر فايس) مازجا هذه الاطر الفنية بتراث بلاده واساطيرها وملاحمها ولغتها ، منشقا عن النسق الذي كتب بشكل عفوي وفطري في (الواقعية النقدية)كيوسف العاني وتوفيق البصري وابراهيم الهنداوي وغيرهم في مرحلتي الخمسينات والستينات .. فقد فهم (كاظم) اللعبة المسرحية والدرامية بشكل مبكر واستطاع المزاوجة بين الشكلين العالمي والمحلي باسلوب درامي وازن بين قراءاته الفلسفية العميقة لـ(ماركس) ووجوديتي (سارتر) و(كامو) وانزياحات (بونتي) في مفهوم الارادة و(كولن ولسن) وانسانه اللامنتمي وبين انفتاحاته العميقة على التراث العربي والاسلامي في المقامات والسير والملاحم والمثولوجيا العراقية التي استهوته لا لسبب كمالي او تزييني انما لضرورة فكرية وجمالية ملحة ربط من خلالها الاسطورة التراجيدية العراقية بالتراجيديا الاغريقية فاتحا لافق غير محدود للرائي من بعده في الغرف من ينابيع هذا التراث ،بوصف الفنان قادر على تطويع التراث وامتلاكه حينما يستطيع امتلاك تقنيات تحويلية مبتكرة للدراما ، وهذا ما فعله (كاظم) بانفتاحه على ملحمة جلجامش في مسرحية (الطوفان)بقراءة طبقية مغايرة فيبدا احداث نصه بعد موت (انكيدو) على عكس الملحمة ، مشكلا لطبقتين اجتماعيتين السادة والعبيد ويستمر الحاكم المستبد (جلجامش) بتماديه وطغيانه وسحقه للناس البسطاء بمؤامراته مع الكهان موزعا مشهديته في عشرة احداث لكل حدث عنوان يمثل ثيمة المشهد كما في المسرح الملحمي البريشتي ، ولعل الذي يتفحص نصوص (عادل كاظم) يستطيع ان يرى هذا النسيج الشفاف والصارخ من بعض مسلمات وبديهيات الادب الوجودي في ثنايا ما انجزه من مسرحيات كـ(تموز يقرع الناقوس) التي كانت رسالة تحذير مباشرة فيها صرخة السياسي واستشرافه عندما ينطلق من نبؤة فنان عارف بمحن شعبه ومصائبه يقول المجنون : يريد النمرود ان يفرغ بابل من ساكنيها … بأسقاط سياسي ابلغ من ان يفسر كأننا امام ذباب سارتر او طاعون كامو بحلة اسطورية عراقية ، شكل (عادل كاظم)ثنائيا استثنائيا مع المخرج الراحل (ابراهيم جلال)بوصف الاخير احد المتمردين والمنشقين على الاطر والقوالب الجامدة في المسرح العربي ويبدو ان اتجاه جلال السياسي والثقافي اليساري اسهم في ترسيخ بعض التوجهات المادية والطبقية في الكتابة لدى عادل كاظم فهشم الكثير من البناءات الارسطية التقليدية وقلب العديد من المباني النصية التي كان يجود بها عليه (كاظم) مطورا لادوار الراوي والجوقة وكل ما يخلخل يقين السرد في البنية المسرحية معززا لفواعل القيمة العقلية في عروضه كالطوفان وعقدة حمار وصولا لقراءة احد اهم النصوص البريشتية قراءة عراقية في مسرحية (دائرة الفحم البغدادية)التي كانت اهم درس في مفهوم (التحويل) من السياق العالمي الى السياق المحلي عندما عرق (عادل كاظم) النص الالماني بترجمة المصري(عبد الرحمن بدوي)حيث تحولت (جروشا)الى (حسنه)و(سايمون)الى(حسن) و(شوقا)الى (عبود)والقاضي(ازدك)الى(المعنكي) وهكذا ..ودارت الاحداث في بغداد في العهد العثماني المتاخر ايام الاحتلال التركي وتفاقم الجندرمة ، وابقى جوهر الحكاية على حاله مثلما رسمها بريشت مقدما اضافة جديدة للمسرح العراقي في التحويل الى اللهجة الشعبية فالمسرحية بترجمتها الفصحى لـ(بدوي) جاءت ثقيلة وعسيرة الفهم واضح فيها التقصير اللفظي الذي تورط فيه ا لمترجم ، بينما استطاع المعرق ان يحافظ على روح بريشت وحكمته الشعبية ووضوحه ايضا لان فكر بريشت يخاطب البروليتاريا ولابد من وضوحه مع الجماهير، كذلك تورط النص المترجم للفصحى بحذف كافة الكلمات النابية والفاحشة علما ان هذه الكلمات التي طرحها بريشت لم تكن مقصودة لذاتها انما وردت اما لادانة موقف برجوازي او سخرية من ظاهرة اقطاعية او جاءت ضمن تذمر بشري يكفر فيه الانسان بكل شئ في حالة من حالات اليأس ، وهذا ما تنبه له (عادل كاظم) فابقى على هذه العبارات بعد ان عاد الى نص بريشت الاصلي بالالمانية ، وكان اول تدخل سافر للسلطة الشمولية في حياتنا المسرحية والحريات المدنية عندما منعت العرض بعد ليلته الاولى في 15 /1/1976 ، …واستمر التعاون بين (جلال)و(كاظم)في مسرحية (مقامات ابي الورد) التي ناقشت موضوع انهيار السلطة وحماقتها وتدخل الاجانب في ادارة البلاد ابان القرن الرابع الهجري وانهيار الدولة العباسية تلك المقامات التي استمد منها (كاظم)(بوليفونية) الاصوات وتعدديتها في الروي وبوصف الوثيقة تتغير بتغير راويها وان التاريخ حالة غير قارة او ثابتة ممكن ان تتلاعب بمضامينه السلطات .. ان تجربة (كاظم) التدوينية لا تنفصل عن مشروعه المسرحي المنبثق من الخشبة ذاتها فهو القادم من افكار المسرحة والتمسرح وليس المنضدة الاستاتيكية الجامدة قارئا لميراث المسرح العالمي والاغريقي بخاصة فهو يستعير من (اوديب) فقأ (محمد سائس الخيل)لعينيه في مسرحية (الحصار) لكي لا يرى حريق بغداد برؤية تنبؤية ، ويستعير شخصيتي (هاملت)و(عطيل)من (شكسبير) في مسرحية(الموت والقضية) بعد ان يغادر مواضعاتهما الاصلية ، وفي انفتاحه الاهم على مسرح السيرة يعالج في مسرحية (المتنبي) موقف المثقف من السلطة مؤبنا لاغترابه في بيئة وفضاء متخلف لا يتسع لروحه الوثابة وانطلاقها ، ويعود للسيرة مرة اخرى في مسرحية (نديمكم هذا المساء) ولكن من منظور المسرحية الشعبية عندما تناول شخصية الممثل الهزلي (جعفر لقلق زاده) الذي اعتاد ان يقدم عروضه الهزلية في المنتديات الليلية حيث لم يحض باحترام الناس او تؤخذ شهادته في المحاكم ، قلب (عادل كاظم)المواضعة الاجتماعية للممثل بجعله بطلا ثوريا ومناضلا من اجل مظالم الناس وضد الاحتلال وقوى القهر والاستبداد ، لقد اهلت ثقافة (كاظم) العامة وثقافته المسرحية المرتبطة بالنسق الفلسفي لحقبة الستينيات اضافة لموهبته الخلاقة وسعة خياله الى كتابة مسرحيات درامية ترقى في اسلوبها ومحتواها من الانتاج المسرحي العالمي بوصفها ايضا من كلاسيكيات المسرح العراقي التي نرنو لمشاهدتها دائما .

اظهر المزيد

د.سعد عزيز عبد الصاحب

باحث وكاتب ومخرج وممثل مسرحي من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق