Chat with us, powered by LiveChat
الرئيسية » مقالات » قفص اتهام مسرحي في باريس للطبقة البرجوازية المصرية : عمار المأمون المصدر : العرب
بورتريه مسرحي لبرجوازية اللحظة المصرية الراهنة

قفص اتهام مسرحي في باريس للطبقة البرجوازية المصرية : عمار المأمون المصدر : العرب

المخرج أحمد العطار يجعل من خشبة المسرح مساحة لمحاكمة الزيف والابتذال والعلاقات الهشة ضمن فضاء المنزل.

يستضيف مسرح MC 93 في بوبيني شمال باريس وضمن فعاليات مهرجان الخريف عرض “ماما”، من إخراج وتأليف المصري أحمد العطار، ونتعرف فيه على الطبقة البرجوازيّة المصريّة بصورتها المعاصرة، ومستويات الزيف التي تخفيها، وخصوصا في ظل هيمنة الجدة الحاضرة دوما، والتي لا تفوقها إلا سلطة الجدّ وقدرته على الحسم، لنرى أنفسنا أمام مسرحية يتداخل فيها المال والسلطة والعلاقات الهشة ضمن فضاء المنزل، الذي يتحول لمساحة لاستعراض الاختلافات بين قاطنيه أنفسهم، أو بين قاطنيه و”الخدم”، بوصفهم أسرى هرميّة علاقات القوة، التي تتدرج من جيل الأجداد فالأبناء فالأحفاد.

تحوي الخشبة غرفة الجلوس فقط، ثلاثة مقاعد وثلاث طاولات تدور حولها الأحداث، كما أننا لا نرى ما يدور في الخارج، الذي تفصلنا عنه ديكورات وأعمدة من شِباك حديديّة كأنها ديكور منزل عصري، تتسلل عبره حكايات الفضاء العام، تلك التي يُعاد تكوينها داخلاً بوصفها ثرثرة مبتذلة، تتخللها هموم العمل وتقلباته التي يحملها معهم الرجال من الخارج.

تحضر الجدّة في الداخل دوما، جسديا ورمزيّا، هي لا تغادر مقعدها طوال العرض، وشاهدة على ما يحصل، أشبه برقابة مهيمنة، تُطلق الأحكام وتقيّم سلوك الآخرين، بعكس الخارج، فضاء الذكور، الذين لا سطوة حقيقية لها عليهم ولا نقاش معهم، أما الجدّ فهو صاحب الكلمة النهائيّة، والقادر على زعزعة سلطة الجميع، إذ يحضر بصورة فاعلة لحل المشكلات الكبرى، أو المصائب التي تهدد سمعة العائلة خارجا، فالفضيحة يجب أن تبقى داخلاً، خاضعة للسيطرة دوما.

أسرة مبتذلة بأقنعة برجوازيّة

الحوار بين الأجيال الثلاثة التي تتحرك ضمن هذه الفضاءات مبتذل، أشبه بثرثرة يوميّة وأحكام سطحيّة مطلقة، تتداخل فيها اللغة العربية مع الإنكليزيّة، نحن أمام ابتذال مشابه لذاك الذي تحدثّ عنه تشيخوف، شخصيات غير ناضجة تَسخَر من أولئك الأدنى منهم، لا فقط الغرباء منهم الموجودين في “الخارج” في إحالة خفية للاجئين والمهاجرين إلى مصر، بل أيضا أولئك الذين يعرفون أسماءهم، الخدم والأبناء والأحفاد، والمحكوم عليهم بالسذاجة لا بوصفها صفة أصيلة فيهم، بل أداء لا بد من الحفاظ عليه لتجنّب سلطة “الأسياد”.

ننتظر في العرض مصيبة ما، أو حدثا لا بد له من تغيير العلاقات داخل الأسرة، وهذا يحدث لاحقا حين تحاول الحفيدة، أصغر النساء، الهرب مع سائق سيارة والدها. هذه المشكلة تهدد صورة العائلة، وقد تخلق فضيحة تخلخل مكانتها الاجتماعيّة، وتحول أفرادها إلى حكاية مضحكة في صالونات الآخرين.

 لكن الجد يتلافى الفضيحة بتلفيق تهمة للسائق بالتعاون مع السلطة، كل ذلك وسط تبادل الاتهامات بين قاطني “الداخل” عن سوء تربية الأطفال، وضرورة منع الغرباء من الدخول إلى فضاءات الأسرة الخصوصية، بوصفهم سببا للخراب، سواء كانوا سائق السيارة الذي يهدد الأسرة أو لاجئين يهددون الطبقة الاجتماعيّة بأكملها.

تتتالى الأحداث بعد الفضيحة، إذ يُتوفى الجدّ، وتتدهور صحة الجدّة، وتتحول زوجة الابن إلى المرأة المسيطرة، لنرى شكلا جديدا من الزيف، تختلف إثره الأحاديث السطحيّة، وتتغير أدوار الشخصيات، أو بصورة أدق، آلية إنتاجهم لأنفسهم كأسرة برجوازية غنية من الجيل الثاني، التي انتقل المال والسلطة إليها بالوراثة، إذ يؤدي أفراد الأسرة أدوارا هشة ولو في الفضاءات الخاصة للحفاظ على صورة الأسرة، ويتحول رفض الفتاة التي أرادت الهرب وجوبهت بالعنف، إلى ردّة للدين وتبني دور شديد المحافظة.

يحاول العرض التنقل بين مساحات الوهم والمسرحة، محافظا على الأخيرة كي لا يقع في فخ الابتذال، أو التحول إلى كوميديا تعتمد على التهريج، وهذا ما نراه في فنيي المسرح الذين يدخلون ويغيرون ترتيب الديكور، ويتجلى أيضا في اصطفاف الممثلين على الخشبة بانتظار أدوارهم، لنرى أنفسنا أمام مونتاج سريع لمجموعة من الصور والمشاهد التي تختزل الزمن.

الأم كمحرّك للأسرة
الأم كمحرّك للأسرة

 لكن المفاجئ في العرض هو أغنية I believe I can fly، بنسخة عربية، والتي تدخل امرأة لا نعرفها في منتصف العرض لتؤديها، ثم يختتم بها العرض لاحقا، والتي يمكن فهمها كتجسيد للرغبة بالانعتاق من قيود الأسرة، مع ذلك، لا تبدو كخيار موفق، بالرغم من صيغة الكيتش التي يحويها أسلوب تأديتها كمعادل لزيف هذه الأسرة، إذ تبدو خارج السياق، بل وتشوش الجمهور في النهاية، حيث يلتبس على الجمهور إن كان العرض ينتهي بها أم لا.

الأجيال الثلاثة في العرض أشبه بمستهلكين مثاليين أو “دانديين” من نوع ما، وخصوصا الشخصيات النسائية، التي تستهلك الأحداث من حولها بوصفها “مُنتجات”، تتبنى وتكرر خطابها الرمزيّ من وجهة نظر فوقيّة، فهم اختزال لطبقة مترفعة عن “الآخرين”، هم لا اقتصاديون، تستهدفهم الإعلانات والحملات الدعائية لشراء منتجات لا قيمة لها، سوى تلك المعنويّة التي تجعلهم مختلفين ومغايرين.

إذ يكررون الصور النمطية عن الآخرين، سواء كانوا لاجئين أم خدما أم مجرد أشخاص لا يرغبون بالانصياع للأسرة، التي توظف أيضا الظاهرة الدينيّة بوصفها شكلا للسلطة، وسلوكا لا علاقة له بالغيب، بل تقليدا متوارثا، وهذا ما نراه حين زيارة أحد الأقرباء من بلجيكا، والذي يتم التعامل معه كجزء من الأسرة كونه يتلفظ ببعض الكلمات اليوميّة المرتبطة بالدين، كالحمد لله وآمين، وكأن النزعة الوطنيّة البرجوازيّة، تتبنى الدين والمال، وتنفي الفقراء وأولئك الراغبين بالتغيير.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

شاهد أيضاً

إعادة التفكير بالمسرح مهرجان الخريف في باريس / عمار المأمون المصدر / الجديد

تتحول باريس أثناء مهرجان الخريف المسرحيّ إلى خشبة كبيرة للعرض، إذ تستقبل المدينة هذا العام …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *