المسرح العالميمقالات

“كما تريدني”.. مسرحية يتجاور فيها الفن والجنون في محاولة لإلغاء النسيان

أكثر مسرحيات بيرانديلّو أوروبيةً لكونها تهتم بالصدمات النفسية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى بوجه عام، في ظرف شهد انتصار الفاشية في إيطاليا وصعود النازية في ألمانيا.

في مسرح أوديون بباريس يتواصل عرض مسرحية “كما تريدني” للإيطالي لويجي بيرانديلّو، التي تصوّر ما تردّت إليه أوروبا ما بين الحربين من تدهور قيم شبيه بما تعيشه اليوم، حيث تغني وترقص بغير اكتراث وهي على شفير الهاوية.

بعد “فجأة في الصيف الماضي” لتينيسي وليامز، و”نحن لبرهة ما” لأرن ليغر، يواصل المخرج الفرنسي ستيفان برونشفيغ بحثه المسرحي عن ألغاز الهوية، والمشاعر التي يستمر انفعالها بعد زوال الأسباب، والمظاهر الخدّاعة التي يتمسّك بها الإنسان لغايات نفسية واجتماعية في أغلب الأوقات.

ويقبل هذه المرة على إحدى مسرحيات الإيطالي لويجي بيرانديلّو (1867 – 1936) “كما تريدني” التي تدور أحداثها في أجواء أوروبية مضطربة أنهكت مجتمعاتها حربٌ مدمّرة، وما كادت تنفض عن كاهلها بعض مخلّفاتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، حتى وجدت نفسها في أتون تقلبات جديدة تنذر بويلات أفظع، بعد صعود الفاشية ثمّ النازية. مسرحية يتجاور فيها الفن والجنون في محاولة لإلغاء النسيان.

وبرونشفيغ مدير مسرح الأوديون الباريسي، الذي سهر على ترجمة المسرحية والسينوغرافيا والإخراج، سبق أن اشتغل على نصوص بيرانديلّو، فبعد إخراج “كساءُ مَن هم عراة” عام 2006، و”ست شخصيات تبحث عن مؤلِّف” عام 2012، و”عمالقة الجبل” عام 2015، أقبل هذه المرة على مسرحية “كما تريدني”، التي تمثّل تحوّلا في مسار رجل المسرح الإيطالي الشهير، حيث شملت رؤيته أوروبا كلّها، وسعى من خلالها للغوص في أشدّ الخصوصيات حميمية في ظرف تاريخي متقلّب.

المسرحية تجمع بين الدراما البوليسية والخرافة الوجودية، في ظرف كانت فيه أوروبا على شفا دمار جديد

وكان بيرانديلّو قد تأثر كثيرا بما أصاب إيطاليا خلال الحرب العالمية الأولى، حين غزت الجيوش النمساوية – المجرية والألمانية والبلغارية فينيسيا، وألحقت بها أضرارا فادحة، وقامت بخطف واغتصاب النساء اللاتي بقين بلا حماية بعد أن التحق الرجال بجبهات القتال.

هذه المسرحية لاقت قبولا حسنا عند عرضها أول مرة عام 1930 في مسرح هواة الدراما بميلانو، وتحوّلت إلى شريط سينمائي مرتين: الأولى عام 1932 من إخراج الأميركي جورج فيتزموريس، والثانية عام 2001 من إخراج الفرنسي جاك ريفيت.

وقد ألفها الكاتب الصقلّيّ في منفاه ببرلين حيث أقام طيلة خمس سنوات، بعد أن واجه مسرحه “أرتي دي روما” مشاكل مالية وفنية عديدة، وبدأ الشك يساوره في النهج السياسي الذي يسير عليه الدّوتشي موسوليني، وأيقن أنه لم يبق أمامه سوى حلين: الفن أو الجنون.

وتعتبر “كما تريدني” أكثر مسرحيات بيرانديلّو أوروبيةً لكونها تهتم بالصدمات النفسية التي خلفتها الحرب العالمية الأولى بوجه عام، في ظرف شهد انتصار الفاشية في إيطاليا وصعود النازية في ألمانيا، وأوجد مجتمعا يغضّ الطرف عن الأعمال الوحشية بدافع المصلحة، حتى وقوع الكارثة.

الشخصية المحورية في هذه المسرحية امرأة ألمانية اسمها إيلما، وهي راقصة كباريه في برلين وعشيقة كاتب اسمه سالتر، رآها مصوّر إيطالي مارة في الشارع بعد عشر سنوات من نهاية الحرب العالمية الأولى، فعرف فيها لوتشا، زوجة صديقه ضابط الجيش برونو بييري الذي أرسل إلى جبهات القتال، وهي امرأة إيطالية في مقتبل العمر كانت تعيش في شمال إيطاليا، في منطقة اكتسحتها القوات الغازية.

 

وكان زوجها قد وجد بيته خاليا إثر انتهاء المعارك وعودته من الجبهة، فراح يبحث عنها في كل مكان دون أن يقف لها على أثر. اختفت الزوجة تماما، فقُيّدت إداريّا في عداد الموتى. فهل أن هذه المرأة البرلينية هي فعلا لوتشا، وقد اختارت أن تنسى ماضيها بالعيش عيشة انحلال وتفسّخ، أم هي فعلا راقصة ألمانية تمارس حياة الليل والسهر في برلين الصاخبة؟

هذا السؤال ظل معلّقا، ذلك أن ردّة فعلها أمام برونو اتسمت بالغموض والالتباس، دون أن ندري هل كان ذلك تضليلا مقصودا أم أنه ناتج عن فقدان الذاكرة بعد ما عاشته من صدمات نفسية خلال الحرب.

أنكرت المرأة الغريبة في البداية أنها لوتشا، ولكنها قبلت العودة مع برونو دون أن نعرف ما إذا كانت هي فعلا زوجته، أم أنها تؤدّي مجرّد دور. غير أنها اكتشفت أن هذا الزوج لم يسع في أثرها من باب المحبة والتمسّك بشريكة الحياة، بل كانت غايته تحقيق مصلحته الخاصة، فهو لا يستطيع أن يحصل على الميراث إلاّ إذا كانت زوجته على قيد الحياة، لأن كل ممتلكات زوجته سوف تسلب منه في حالة ترمّله، وتمنح إلى أصهاره، حسب القوانين الإيطالية الجاري بها العمل في تلك الفترة. وأدركت أنها فرّت من عالم مقرف إلى عالم أشد قرفا، ما دفعها إلى التمرّد على هذا الزوج الأنانيّ والمجتمع وقوانينه البالية.

المسرحية صاغها بيرانديلّو في شكل يجمع بين الدراما البوليسية والخرافة الوجودية، في ظرف كانت فيه أوروبا على شفا دمار جديد، وكأن الكاتب يريد أن يبيّن أن تآكل القيم وشيوع الأنانية وبحث الناس عن مخرج خاص ولو كان على حساب غيره، كانت من بين الأسباب التي ساهمت في صعود الفاشية والنازية.

يقول برونشفيغ “نشهد اليوم مجتمعات تعتقد أن الفاشية لا تعنيها، بل تعني الآخرين، وتواصل السكوت عمّا يزعج راحتها، والحال أن التطرف بكل أشكاله يمكن أن يهدّد ديمقراطياتنا”.

ابو بكر العيادي 

العرب

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق