المسرح العالميالمسرح العربي

كورونا تحول دون الاحتفال بيوم المسرح العالمي الفايروس اللعين أشاع الهلع في كل أرجاء المعمورة، وأوقف جميع الفعاليات الإنسانية ذات الطابع الجماعي والكرنفالي.

عواد علي

من المؤكد أن المسرحيين في العالم لن يحتفلوا هذا العام بعيدهم، الذي سيمر يوم 27 مارس، كما كانوا يفعلون كل عام. والسبب طبعا هو فايروس “كورونا” اللعين، فقد انتشر انتشار النار في الهشيم، كما يقال، وأشاع الهلع في كل أرجاء المعمورة، وأوقف جميع الفعاليات الإنسانية ذات الطابع الجماعي والكرنفالي، الثقافية منها والرياضية والاقتصادية.

أي حزن سينتاب ممارسي المسرح وجمهوره في هذا اليوم؟ هل سيظلون قابعين في بيوتهم، مكتفين بتبادل التهاني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وربما من خلال الهواتف النقالة؟

بالطبع لن يكون بمقدورهم أن يفعلوا غير ذلك، بينما كانوا في السنوات السابقة يهنئون بعضهم بعضا في قاعات المسارح، وعلى خشباتها، وفي الحفلات وصالات الرقص، معبّرين عن سعادتهم وتطلعهم إلى الارتقاء بفن المسرح، بوصفه واحدا من أعرق الفنون وأعظمها، وأهم جزر المصداقية الإنسانية.

فهو ينحّي جانبا كل شيء يفرّق بين البشر، ويدعم كل ما هو مشترك بين الناس، ويكشف عن القلب الذي يشتركون فيه، ممّا يجعله أفضل وسيط للسلام، كما يقول المخرج الفرنسي جان لوي بارو. والمكان النموذجي الذي يتأمل فيه الإنسان شرطه التاريخي والوجودي معا، كما يقول سعدالله ونوس. والتجربة المفعمة بالنبل من خلال إعطاء مساحة الأداء والاهتمام بقيمة خشبة المسرح، والسعي لتحويلها إلى خشبة مقدسة تعطي طاقة، حيوية، وتعبئة بشرية لعدم السقوط في الهاوية، كما يقول الكاتب المسرحي الباكستاني شهيد نديم، الذي كتب رسالة يوم المسرح العالمي للعالم الحالي 2020.

في السنوات الماضية كانت المسارح تفتح أبوابها، خلال هذا اليوم  المميز، في 92 بلدا تنتمي إلى المعهد الدولي للمسرح “I.T.I”، وهو أكبر منظمة للفنون المسرحية في العالم، لاستقبال الجمهور من دون تذاكر. وتنظم مراكزه الوطنية احتفالات وعروضا مسرحية تُلقى خلالها الرسالة العالمية للمسرح، وتُعقد ندوات ولقاءات مباشرة بين فناني المسرح ومحبيهم وأصدقائهم من الأوساط الثقافية والاجتماعية الأخرى.

وولد يوم المسرح العالمي في يونيو 1961، إثر مقترح قدّمه رئيس المعهد الفنلندي للمسرح الناقد والشاعر والمخرج أرفي كيفيما إلى منظمة اليونسكو، وجرى الاحتفال الأول به في 27 مارس 1962 في باريس تزامنا مع افتتاح مسرح الأمم. واتفق على أن يكون تقليدا سنويا يتمثل بأن تكتب إحدى الشخصيات المسرحية البارزة في العالم، بتكليف من المعهد الدولي للمسرح، رسالة دولية تترجم إلى أكثر من 20 لغة، وتُعمّم إلى جميع مسارح العالم لتُقرأ خلال الاحتفالات التي تُقام لهذه المناسبة، وتُنشر في وسائل الإعلام المسموعة والمرئية. وكان الكاتب الفرنسي جان كوكتو أول شخصية اختيرت لهذا الغرض في احتفال العام الأول بباريس. وتوالت على كتابتها، منذ ذلك العام، أكثر من خمسين شخصية مسرحية من مختلف دول العالم، منها أرثر ميلر، لورنس أوليفيه، بيتر بروك، بابلو نيرودا، يوجين يونسكو، أدوارد ألبي، سعدالله ونوس، فتحية العسال، أريان منوشكين، سلطان القاسمي، روبير لوباج، أوغستو بوال، أناتولي فاسيليف، إيزابيل هيوبرت.

وأخيرا شهيد نديم، الذي أكّد في رسالته أن “عالمنا اليوم يكثر فيه التعصّب والكراهية العنف، وتحرّض الأمم بعضها على بعض، المؤمنين يقاتلون المؤمنين، المجتمعات تبث الكراهية، الأطفال يموتون من سوء التغذية، الأمهات يمتن أثناء الولادة بسبب عدم وجود رعاية طبية جيدة، وأيديولوجية الكراهية تزيد وتزدهر، ويغرق كوكبنا أكثر وأكثر تحت مناخ كارثي من الحروب، المجاعات، الموت.. نحن بحاجة في هذه الأيام لتجديد قوتنا الروحية، ومحاربة اللامبالاة، والخمول، والتشاؤم، والجشع، ومن يتجاهل عالمنا الذي نعيش فيه”.

ولعل من أكثر الرسائل التي كُتبت لهذه المناسبة إثارة للجدل، طوال نحو ستين عاما، هي رسالة يوجين يونيسكو التي كتبها عام 1976، فقد كشف فيها بجلاء عن مسألة الرقابة، ما جعل بعض الدول غير الديمقراطية تمنع قراءتها، ودعا إلى إيجاد الحقيقة في المخيلة، اعتقادا منه بأن مسرح المخيلة هو مسرح الحقيقة الطبيعية، وهو وثيقة طبيعية، وليست ثمة وثيقة أمينة طول الوقت أو حرة لسبب بسيط، هو أنها منحرفة لكي تخدم غرضا معينا. وأن المخيلة لا يمكن أن تكذب فهي تميط اللثام عن نفسيتنا، وعن الهموم الدائمة أو العابرة، وعن اهتمامات الإنسان في كل العصور وفي عصرنا الراهن، وعن عمق الروح الإنسانية.

كما ذهب يونسكو في رسالته إلى أن الفنان المهدّد في حرية تخيلية يصبح منفيا، فالمسرح هو تركيب حر للمخيلة، والفن لا يعرف حدودا، وعلى المسرح ألاّ تكون له حدود، إنه يتخطى الخلافات الأيديولوجية والأجناس والأعراق والنظرة الإقليمية والفردية، ويجب عليه أن يكون دولة عالمية، لا أوامر على المبدعين فيها ولا تعليمات من الحكومات.

لكن هل كان بوسع يونسكو أن يقول مثل هذا الكلام لو أنه حي الآن، ويرى كيف يتخطّى فايروس قاتل، وليس المسرح، الحدود بين الدول، رغم كل التدابير التي تتخذها الدول للحيلولة دون انتشاره؟

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

عواد علي

ناقد مسرحي وروائي عراقي مقيم في عمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق