مقالات

متى يصبح المسرح ضرورة حياتية عندنا

في الدول المتقدمة أصبح المسرح ضرورة من ضروريات الحياة وحاجة يطلبها المواطنون في حياتهم اليومية ففي المراكز المسرحية في تلك الدول هناك العشرات من دور المسارح يتقاطر إليها الجمهور ويتزاحمون لمشاهدة هذه المسرحية أو تلك ومن شتى الأنواع – الدراما

الحديثة والتراجيديا القديمة والكوميديا والمسرحيات الموسيقية . ونادراً ما تجد أبواب مسرح معين مغلقة لفترة معينة بل هناك عروض مسرحية مستمرة على مدار السنة وهناك أكثـر من عرض واحد في اليوم في بعض المسارح – عرض الماتينية وعرض السواريه.

وهناك العديد من المواطنين من يشتري تذاكر الدخول إلى المسرح لمشاهدة عرض معين بوقت يسبق موعد العرض بأيام . المسارح التجارية تعتمد العروض الطويلة الأمد لمسرحية معينة قد تدوم سنوات ، ومسارح الدولة تعتمد نظام (الربوتوار) الخزين المسرحي حيث تتنوع عروضها في مواعيد معينة فمن يفوته مشاهدة هذا العرض ينتظر لأيام كي تسنح له الفرصة لمشاهدته عند الاعادة .
المسارح التجارية تدر على أصحابها مبالغ خرافية أحياناً مما يشجعهم على استمرارهم في انتاج مسرحيات تجتذب أوسع الجماهير ، ومسارح الدولة – فرق المسرح الوطني تحظى بدعم مالي من الدولة لأن مواردها المالية لا تكفي لتغطية كلف الانتاج وأجور العاملين ، وبالاضافة إلى مسارح الدولة والمسارح التجارية هناك الفرق المسرحية الخاصة وهناك فرق المسرح التجريبي التي تقدم عروضاً مسرحية تستهوي فئة معينة من المواطنين تحاول أن تستقطب جمهوراً أوسع . وكونت تلك المسارح ذائقة فنية متطورة لدى فئات كبيرة من المواطنين حيث يبدأ تطوير مثل تلك الذائقة بواسطة مسرح الاطفال والمسرح المدرسي ومسرح الجامعات.
اعتمدت ضرورة وجود الفن المسرحي في هذا البلد أو ذاك على محاور عديدة هي كالاتي:
أولاً: محور الضرورة الدينية: حيث نشأ المسرح أصلاً من الطقوس الدينية في بلاد الأغريق، نشأ أيضاً من الاحتفالات الشعبية التي ترتبط هي الأخرى بالمعتقد الديني وبقى تأثير الممارسة الطقسية ملازماً للفن المسرحي حتى بعد أن تحوّل إلى نشاط مدني ، حتى أن العديد من المنظّرين لهذا الفن يؤكدون على أن ممارسة الطقس شرط من شروط الفن المسرحي وراحت بعض الأمم تعمل على إحياء العناصر الطقسية الدينية وإعادة تقديمها بأشكال مختلفة ومنها إحياء المسرحيات الدينية التي تبنتها الكنيسة في القرون الوسطى – الاسرار والمعجزات والاخلاقية وهناك من قام بتحديث تلك المسرحيات كما فعل المخرج الالماني المشهور (ماكس راينهارت) في مسرحيته (المعجزة) التي قدمها أوائل القرن العشرين، وهناك أمثلة اخرى على أحياء المسرح الديني في اوروبا، واصبحت (التشابيه) تلك الشعائر الدينية التي تقام خلال الأيام العشر الاولى من عاشوراء والتي تقدم فيها أحداث من معركة الطف . واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام) وعدد من صحبه، نموذجاً اسلامياً للمسرح الديني حيث تقام تلك الشعائر سنوياً في عدد من مدن العراق وبالأخص في كربلاء المقدسة وتضم (التشابيه) جميع عناصر العرض المسرحي ابتداءً من النص إلى التمثيل والاخراج والى الأزياء والمناظر والملحقات، وهكذا اصبح المسرح من الضرورات الدينية.
ثانياً: محور الضرورة الاجتماعية الدنيوية: فما أن تحولت الطقوس الدينية إلى ممارسة دنيوية حتى تبنتها المجتمعات ابتداءً من مجتمع أثينا (خمسمائة سنة قبل الميلاد) ، وأحست المجتمعات المتطورة بأن المسرح ظاهرة فنية تجمع أفراد المجتمع وتوحدهم في مشاهدة العرض المسرحي وتفرقهم ذائقة كل فرد وتلقيه الخاص المعتمدة على المحاكاة التي هي إحدى ركائز الفن المسرحي وهي غريزة من غرائز الإنسان وهكذا كتبت نصوص مسرحية مستقلة عن النصوص الشفاهية للطقوس الدينية وإن اعتمد البعض منها على مضامين وأشكال تلك الطقوس ، وشيدت بنايات خاصة للعروض المسرحية بعد أن كانت العروض الطقسية تقام في الأماكن العامة. وتحوّلت مضامين المسرحيات من الغيبيات ومن الأساطير والملاحم تلك التي كانت تعبيراً عن أفكار ومعتقدات أفراد المجتمع وتقاليده إلى أحداث وشخوص قريبة مما هو موجود في واقع المجتمع وما فيه من مشاكل وصراعات بين الأفراد أو بين الأفراد والمجموعات أو بين الافراد والقوى العليا، وهكذا نزل العمل المسرحي من الأعالي إلى الأرض والى الإنسان الذي يعيش على هذه الأرض بل وحتى إلى أعماقه ودواخل نفسه وإلى (لاوعيه) وإلى (الهو) و(الأنا) و(الأنا الأعلى) .
وكان لا بد من تظهر نظريات تتعرض للظاهرة المسرحية كونها ظاهرة تخص المجتمع وافراده وكان (ارسطو) أول من نظر للتراجيديا وللكوميديا في كتابه (فن الشعر) متخذاً من مبدأ المحاكاة منطلقاً لتنظيراته وراح كتّاب المسرحية في زمنه وفيما بعد يرجعون اليه عند ممارستهم تأليف المسرحيات، ثم بعد ذلك ظهرت نظريات معاكسة لطروحات أرسطو ، وطبقاً لحاجات المجتمع وطبيعة تكوينه ظهرت أسانيد مختلفة من كتابة المسرحية تنوعت من الكلاسيكية والرومانتيكية والواقعية والرمزية إلى التعبيرية والسوريالية والملحمية واللامعقول وكانت تلك الانواع ومازالت تعكس ما في المجتمع من أزمات ومن طموحات نحو تغيير المجتمع إلى ما هو أفضل.
واذا كانت بعض المسرحيات قد يكشف تأثيرات البيئة والوراثة على أفراد المجتمع فان تلك التأثيرات قد لعبت دورها في تشكيل اسلوب كتابة المسرحية ، كما أثرت انجازات العلوم الانسانية والعلوم الصرفة في اسلوب كتابة المسرحية وعرضها على خشبة المسرح كعلم النفس وعلم الاجتماع والتاريخ والفيزياء والكيمياء والرياضيات اضافة إلى الفنون التشكيلية والعمارة وفنون الموسيقى والرقص وكلها ظواهر اجتماعية.
ثالثاً: محور الضرورة التعليمية: نعم المسرح يُعلم ويقدم المعرفة في حقولها المختلفة إلى جمهوره ، ويعلم المسرح ويطور مهارات العاملين فيه، يعلمهم التعاون فيما بينهم ويعلمهم الالتزام ويعلمهم القيم النبيلة ويعلمهم التضحية بالذات لصالح المجموع ومصالح الانتاج ومستواه الفني والفكري . المسرح يوفر لجمهوره دروساً في الأدب وفي التاريخ والجغرافيا وفي مختلف العلوم والفنون وذلك عبر ما تحتويه المسرحيات من مضامين وأحداث وشخوص وأزمات وصراعات وتحولات وأكثر من هذا وذاك ، منذ استخدام العمل المسرحي كوسيلة ايضاح في تدريس المواد الدراسية على اختلاف أنواعها كما افتتحت معظم الجامعات والكليات في العالم اقساماً لتدريس الفن المسرحي نظرياً وعملياً بل وراحت تعد برامج للعروض المسرحية يعدها وينتجها اعضاء الهيئة التدريسية وطلبة الاختصاصات المسرحية المتنوعة ، بل إن عدداً من الدول أدخلت في مناهج التدريس في المدارس الابتدائية والمتوسطة والاعدادية مادة الفن المسرحي بينما عمدت دول أخرى الى انشاء مسارح خاصة للاطفال تقدم مسرحيات مختلفة يبدعها الصغار وتوجه إلى الصغار واخرى يبدعها الكبار لتوجه إلى الصغار وغرضها التعليم .
رابعاً- محور الضرورة التوجيهية – اضافة إلى وظيفة المسرح التعليمية هناك وظيفة اخرى يقدمها المسرح إلى جمهوره هي التوعية والتوجيه وذلك عن طريق النقد ، نقد كل ما هو سلبي ومتخلف في المجتمع وتركيباته وما هو معيب في سلوك الأفراد وبالتالي الدعوة إلى تغيير الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والتنافس على ما هو أفضل وليس أدل على ذلك من مسرح (بريخت) الملحمي الذي يحوّل المألوف إلى لا مألوف وبالعكس لغرض النقد والدعوة الى التغيير وتوعية الجمهور بما هو سلبي ومتخلف وتحريض المشاهد على ما هو ايجابي ومتقدم . . نعم كان النقد هو الهاجس الأول لكتاب المسرحية منذ البداية والامثلة كثيرة ومنها المسرحيات الساتيرية الاغريقية ومسرحيات ارستوفان وموليير الكوميدية ومسرحيات إبسن وهوبتمان الواقعية والمسرحية التعبيرية التي تنقد الحرب ومآسيها ومسرحيات بريخت الملحمية بل وحتى مسرحيات اللامعقول العبثية والتي تنقد واقع الانسان في المجتمع الرأسمالي والفوارق الطبقية.
خامساً- محور الضرورة الترفيهية : يحتاج المواطن في أي بلد من البلدان الى وسائل وأمكنة للترفيه والترويج والتخلص من اعباء العمل اليومي ، وليس هناك أفضل من المسرح مكاناً لذلك . ما يعرضه المسرح من صور سمعية ومرئية وحركية سواء كانت مبهجة مسِرة أم كانت كئيبة محزنة فهي تبعث المتعة في نفس هذا المتفرج أو ذاك وتعمل على تهذيب ذائقته الجمالية فقد يطرب لإلقاء الممثل أو لغنائه او قد تجذبه أشكال وألوان الأزياء ، أو أشكال وكتل وألوان وملابس المناظر المسرحية ، وقد تحركه حركات الممثلين أو رقصاتهم أو حركة المناظر المسرحية أو حركة الاضاءة المسرحية، وقد يضحك هذا المتفرج او ذاك لموقف او لشخصية تثير الضحك، وقد يتعاطف هذا المتفرج أو ذاك مع معاناة بطل المسرحية وكل ذلك يدعو إلى التفريج عن كربة او إبعاد التوتر النفسي والابتعاد عن هموم البيت ومشاكل العمل لساعة أو ساعتين وهو يتفرج على الصور المسرحية المتلاحقة وما فيها من شخصيات يمثلها ممثلون بلحمهم ودمهم ولهذا السبب لم يتعرض الفن المسرحي للازاحة عندما ظهر فن السينما أو عندما ظهرت العروض الفنية على شاشة التلفزيون وقد تنقل على الشاشة الفضية ما تفعله الصورة المسرحي ولكن هذا اللقاء بين الممثل والمتفرج هو الذي جعل المسرح باقياً حياً متطوراً ، ولعبت جماليات الفن المسرحي دورها في تسلية المتفرج ومتعته .
سادساً- محور الضرورة السياحية: اتخذت بعض الدول المتقدمة مسرحياً من الفن المسرحي وسيلة لجذب السواح المحليين والاجانب، فهناك سواح يحبون المسرح يتقصدون زيارة باريس لمشاهدة مسرحيات موليير في مسرح (الكوميدي فرانسيز) ، وهناك سواح يريدون التعرف على المسرح الشكسبيري واسلوب الاداء فيه فيزورون مدينة (ستراتفورد ابون ايفن) لمشاهدة احدى مسرحياته. وهناك سواح يهتمون بالفن المسرحي ويريدون مشاهدة مسرحية (الاميرة توراندوت) التي اخرجها المخرج الروسي (فاختانغوف) وتعرض حتى اليوم في أحد مسارح موسكو وكما أخرجها ذلك المبدع الكبير ولا بد أن أذكر بانني في يوم من الايام قدمت مقترحاً إلى وزارة الثقافة العراقية أن تتبنى مشروع تقديم (ملحمة كلكامش) مسرحياً سنوياً في أحد مسارح بغداد أو غيرها أو حتى في أطلال بابل، وان تتبنى مشروع تقديم مسرحيات مقتبسة عن حكايات ألف ليلة وليلة يؤلفها او يعدها مؤلفون مختلفون ويخرجها مخرجون مختلفون وذلك في قاعة (القشلة) عند شارع المتنبي وفي ذلك جذب للسواح الاجانب لاسيما وان موطن الملحمة الخالدة هو العراق وان بغداد يطلق عليها الاجانب مدينة ألف ليلة وليلة.

 

المصدر / المدى

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

الخشبة

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق