مقالات

مسرحية أوديب ملكًا لسوفوكليس/علي خليفة

ربما لا يعادل شهرة هذه المسرحية وكثرة النقد عنها إلا ما كتب من بعض تراجيديات شكسبير الخالدة كهاملت والملك لير، ولا عجب إذًا أن يعد بعض النقاد هذه المسرحيات الثلاث هى أفضل ما كتب من مسرحيات على مدار التاريخ كله.
والحقيقة أن مسرحية أوديب ملكًا لم تشغل اهتمام أرسطو فقط حين جعلها النموذج الأمثل الذي يطبق عليه مبادئ التراجيديا ولكنها شغلت أيضًا في العصر الحديث فرويد حين تحدث من خلالها عن بعض العقد النفسية كعقدة الأم أي ارتباط الإنسان بأمه وعدم قدرته على أن يستقل بشخصيته عنها حتى بعد نضجه.
وأضيف لما قلت أن هذه المسرحية لها سحر عجيب في قراءتها ومشاهدتها، فكلما قرأتها أو شاهدتها انجذبت إليها، واستبان لك فيها أشعة من الإيحاءات لم تدركها من قبل، ومن هنا استحقت بالفعل أن تكون إحدى درر المسرح العالمي الخالدة في الدنيا.
وأسطورة أوديب التي صيغت منها هذه المسرحية من أشهر الأساطير اليونانية، وقد عالج سوفوكلس هذه الأسطورة في مسرحيتين هما مسرحية أوديب ملكًا ومسرحية أوديب في كولونا، وعالج يوربيديس هذه الأسطورة في مسرحية الفينيقيات. وهناك اختلاف كبير بين تناول يوربيديس لهذه الأسطورة في مسرحية الفينيقيات عن تناول سوفوكليس لها في المسرحيتين السابقتين، وقد عدَّل يوربيديس في الأسطورة تعديلات كثيرة في مسرحيته، وجعل أوديب وجوكاستا يعيشان بعد اكتشافهما قتل أوديب لأبيه وزواجه منها وهى أمه، وشهدا قتال ولديهما بولونيكيس وأتيوكليس من أجل ملك طيبة وقتل أحدهما الآخر، وقتلت جوكاستا نفسها بعد موتهما، ثم استعد أوديب للرحيل عن طيبة مع ابنته أنتيجونا التي ستصحبه في الطريق.
أما بناء سوفوكليس لمسرحية أوديب ملكًا فهو مختلف – كما قلنا – عن بناء يوربيديس لمسرحية الفينيقيات، وأكثر تركيزًا منه، وأشد تصويرًا للمأساة منه.
والذي يعنينا هنا أن نقول إن نظر كتاب المسرح الإغريقي لأساطيرهم لم يكن فيه استسلام لنقل أحداثها نقلاً حرفيًّا حتى لو كانت مرتبطة بعقائدهم الوثنية، بل كانوا يغيرون في أحداثها كثيرًا خلال صياغتها، وكل كاتب منهم كان له الحق في أن يجري من التعديلات على هذه الأساطير ما يشاء شريطة أن يقدم مسرحية جيدة يرضى عنها الجمهور في المسرح.
ومن هنا فلا تقبل أصوات بعض النقاد التي تطالب الأدباء بالمحافظة على جوهر الأساطير عند تناولها وعدم العبث بها، كما هو الشأن في معارضة الدكتور لويس عوض توفيق الحكيم لكونه غير في بعض أحداث أسطورة إيزيس وأزوريس في مسرحية إيزيس.
والحق أن من أكبر مزايا مسرحية أوديب ملكًا ذلك الترابط القوي بين أجزائها، والتشويق المستمر لمن يشاهدها أو يقرأها، فدائمًا هناك أمور غامضة يرغب المشاهد والقارئ في معرفتها، وعند انكشافها يظهر غموض جديد يشوق المشاهد والقارئ لمتابعته لمعرفة كيف سينكشف هو أيضًا، وهكذا الأمر في المسرحية كلها.
ويمكن أن نقول إن الجو البوليسي في اكتشاف جرائم والسعي لمعرفة مرتكبيها يسيطر على أحداث المسرحية؛ ولهذا غلبت الإثارة على أحداثها، ولكن هذا الشكل البوليسي نراء في سطحها، ولكن أعماقها تحمل أفكارًا وإيحاءات عديدة، ومن هنا فقد كان ذلك الشكل البوليسي مجرد غطاء خارجي لجذب النظارة إليها، ولكنها تفيض في باطنها بإيحاءات كثيرة وأفكار عميقة.
ولعل من أهم الأفكار التي توحي بها المسرحية مفهوم السعادة، ونرى على لسان الجوقة في هذه المسرحية عبارات تفيد أن السعادة ستار زائف لا حقيقة له، وتعلق الجوقة على نهاية أوديب بعد أن اكتشف أنه قاتل أبيه ومتزوج من أمه بقولها: لا ينبغي أن نقول عن أحد من الناس إنه سعيد حتى نرى لحظاته الأخيرة في الحياة هذا هو أوديب الذي كان أكثر الناس عزة وملكًا قد انقلبت حاله إلى الشقاء.
وأيضًا من أفكار المسرحية – كما يرى مؤلفها سوفوكليس – أن الإنسان مسير في حياته وليس مخيرًا، ومجبر على أفعاله، ولا حرية له في فعل أي شيء، ومن هنا فلا يجب عليه أن يغتر بعمل يظن أنه قد أتاه بقدرته أو بحكمته.
وأيضًا من الأفكار التي تطرحها هذه المسرحية قيمة الصداقة في حياة الإنسان، فحين ظن أوديب أن كريون قد تآمر مع تريزيساس عليه لاغتصاب الملك منه هاجم أوديب كريون، ودافع كريون عن نفسه، وعرفه أنه صديق له، ومن حق الصداقة ألا يتسرع الصديق في الحكم على صديقه بظواهر الأمور، وقال له: إن من ينبذ صديقًا عزيزًا عليه فقد نبذ جزءًا مهمًّا من حياته.
والحقيقة أن هذه المسرحية على الرغم من أنها تعالج أسطورة فيمكن أن يكون لها جانب تاريخي ، وإلى جانب ذلك فهي شديدة العرى بالعقيدة الإغريقية؛ ولهذا نرى تلك العقيدة حاضرة بقوة في هذه المسرحية، وتتردّد على ألسنة الجوقة ورئيسها عبارات كثيرة في تمجيد الآلهة اليونانية الوثنية وطلب العون منهم لاسيما زيوس رب الأرباب الوثنية وأرتيميس إلهة الصيد وأبو للون إله الوحي والفن وباخوس إله المسرح والمرح والخصب عند الإغريق .
وأظن أن مما جعل هذه المسرحية وأمثالها لا تضيع ما فيها من عبارات دعاء للآلهة الإغريقية وتمجيد لها، ومن هنا فلا يستبعد أنها كانت تقرأ من قبل بعض الإغريق قديمًا على أنها تعاويذ وأدعية دينية تأتي وسط هذا الحدث الدرامي.
وخلال حوار الجوقة في المسرحية نرى بطءًا في الحركة؛ لأنها غالبًا ما تقوم بالسرد لأحداث قديمة أو بالأدعية للآلهة بما لا يعد تقدمًا في الحدث الرئيس في المسرحية.
وحتى حوارات أوديب وجوكاستا معها ليس فيها الشد والجذب، بل فيها توجيهات سريعة.
أما حوارات الأشخاص – خارج الجوقة – في هذه المسرحية فنرى فيها سخونة وسرعة في الحركة، وبعضها فيه قصر في العبارات خاصة حوار أوديب مع تريزياس، وحواره مع كريون، وحواره مع الرسول القادم من كورنته، وأيضًا حواره مع الراعي.
ولا شك أنه مما يلفت القارئ والمشاهد لهذه المسرحية تلك الخاتمة الطويلة لها، فهى تمثل نحو ربع مساحتها، وليس في هذه الخاتمة أحداث مهمة، بل فيها نرى أوديب يتحسر على المصير الذي آل إليه، ونرى أيضًا إشفاق الجوقة عليه، وتعليقها على مصير الإنسان البائس في هذا الكون.
وربما رأى بعض النقاد في عصرنا أن هذه الخاتمة الطويلة ليست في مكانها؛ وكان أولى بسوفوكليس أن يختصرها كثيرًا، حتى تكون النهاية سريعة وقوية. ولكن سوفوكليس كان متعمدًا هذه النهاية، وأيضًا كان أرسطو في كتاب فن الشعر مدركًا قيمة هذه النهاية الطويلة في نقده لهذه المسرحية حين قال إن التراجيديا تقوم بالتطهير من خلال إثارة عاطفتي الشفقة والخوف، وما كان المشاهد ليستثار غاية الإثارة ويصل للتطهير لولا هذه النهاية الطويلة في هذه المسرحية.
والحقيقة أن سوفوكليس قد برع في رسم شخصيات هذه المسرحية، فرأينا أوديب جريئًا، وتصل جرأته إلى الاندفاع أحيانًا؛ ولهذا حين تزاحم مع لايوس – أبيه – على طريق لم يوسع له ولمن معه بل اشتبك معهم، وقتلهم إلا شخصًا واحدًا فر منهم.
وكذلك أدى به اندفاعه إلى أن يتسرع في أن يتهم كريون بأنه شريك العراف تريزياس في التآمر عليه، من أجل سلبه الملك.
وفي أوديب نهم شديد للمغامرة والمعرفة، ولكشف الغموض عن الأمور المستورة؛ ولهذا واجه أبا الهول وفك لغزه؛ ولهذا أيضًا سعى للبحث عن قاتل لايوس وأداه هذا للبحث عن حقيقته حتى اكتشف أخيرًا أنه هو نفسه الذي قتل لايوس دون أن يعرف أنه ملك طيبة ودون أن يعرف أيضًا أنه أبوه.
ونرى جوكاستا امرأة عاقلة، يستمع أوديب لنصحها؛ وقد استطاعت أن توقف غضب أوديب على أخيها كريون وهى أيضًا ليست شديدة التدين، وتنكر شأن النبوءات؛ ولهذا غضبت منها الجوقة غضبًا شديدًا.
وكريون مثال للشخص النبيل المتدين المقدر لقيمة الصداقة، وهو أيضًا محاور بارع، ولهذا خشي أوديب من أن يناقشه في التهمة التي وجهها إليه؛ لكونه يعرف براعته في الجدال.
وتريزياس أشهر عراف في التراجيديا الإغريقية، ونراه أيضًا في مسرحية أنتيجونا، ويتنبأ بمصير كريون المؤلم فيها، ويحدث ما تنبأ به، كما يحدث ما تنبأ به في مسرحية أوديب ملكًا في حواره مع أوديب.
وفي ظني أن من الأشخاص المهمة في هذه المسرحية، وقلما يسلط عليه النقاد الضوء هو الراعي الذي حمل أوديب وهو صغير ليقتله بأمر أبيه لايوس، ولكنه أشفق عليه وفك القيود عن قدميه، وأعطاه لراع آخر في مدينة كورنتة وسلمه هذا الراعي لملك وملكة كورنتة فتبنياه لأنهما لم يكونا منجبين.
وهذا الراعي هو نفسه الذي كان مع لايوس وبعض حرسه حين اصطدم بهم أوديب وقتلهم إلا ذلك الرأي الذي فر، وشهد أوديب يعتلي حكم طيبة وطلب إلى جوكاستا أن تبعده عن المدينة، ليرعى في أطرافها؛ لأنه يعرفه أن أوديب هو قاتل الملك السابق لايوس، ولعله عرف أيضًا من صديقه راعي كورنتة كيف صار أوديب ابنًا بالتبني لملك وملكة كورنته، ومن هنا كان هذا الراعي معه مفاتيح حقيقة أوديب مثل العراف تيرزياس، ولكنه آثر الانسحاب بعيدًا عن الجميع، حتى اضطره أوديب للمثول أمامه، وأن يقول كل ما يعرفه من حقائق بشأنه، وحين أدرك أوديب الغيب الذي كان محتجبًا عنه فقأ عينيه، لكي لا يرى هذا العالم البغيض إليه، ولا يرى أبويه في عالم الموتى، أما جوكاستا فقد كانت شنقت نفسها قبل ذلك حين أدركت أنها أم أوديب الذي هو أيضًا زوج لها وأبو أربعة أبناء منها.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

الخشبة

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق