مقالات

مسرحية «الخربة» للناصر العكرمي: داخل الخرب توأد أحلام وتزهر أخرى / مفيدة خليل المصدر / المغرب

التقى جمهور قاعة الفن الرابع بمسرحية «الخربة» وجاء انها تجربة في الأداء الثنائي لمريم شعبان رفقة الممثل معز شعبان ،

وهي العاشقة للركح والباحثة في مساحات الإبداع عن بقعة ضوء، هي فتاة تتنفس فنا ،تعيش هذه التجربة بكثير من الحرص على الإقناع ، وقد أرادت أن تشارك الجمهور هذا الهوى، والهواء المشترك.
والعمل هو إنتاج خاص لشركة Tulip prod «توليب برود» نص واخراج للناصر العكرمي وسينوغرافيا صبري العتروس مسرحية من اداء كل من معز شعبان ومريم شعبان، يعكس من خلال حوار ثنائي صريح مرايا النفوس وما يعيشه أب وابنته من اختلاجات في لحظة هروب ، لحظة مصارحة.

جميعنا نعيش الشتات
تدور احداث العمل في خربة أي المكان المهجور هناك اجتمع اب وابنته هربا من طارئ ما، في العمل للفتاة نصها وللاب نصه كلّ يقول نصه ليفهم المتفرج أنهما في صراع مع اخر غريب هي في صراع مع المجتمع وافكاره البالية وصراع مع العادات والتقاليد وصراع مع افكار مشبوهة لوثت «التربة» و سكنت وطنها، صراع الفتاة المتعلمة الحالمة بقصة عشق مع مجتمع يرفض الحب وافكار رجعية احيانا تراها مجرد جسد، اما الاب ففي صراع مع اخر معلوم مجهول صراعه مع الاخر الذي اغتال رجلا وطنيا صادقا وكان شاهدا على الحادثة ليصبح في حالة فرار مستمر خوفا على نفسه وابنته من جبروت من قتل منافسه برصاصات عديدة قتلت جسده لتحلق روحه وتوحد التونسيين ويبقى ديما «حي» والمقصود هنا ان شكري بلعيد لا يموت وشكري اقلقهم في حياته وبعد مماته أيضا.

الصراع الذي يعيشه الاب وابنته في مكانهما المهجور الذي عبّر عنه بديكور بسيط عبارة عن خمسة أعمدة ومجموعة من الالواح وبعض الشباك مكان يدل على أنها بناية لم تكتمل بعد مع ضوء خافت للشموع ليرمز ان لا ضوء فيه ووجب بقاؤه مظلما بعيدا عن الاعين المراقبة مع صوت تكسّرات الموج على الحجارة جميعها تحيل الى رمزية اسم العمل وترمز الى التشتت الذي يعيشه التونسي وخوفه المتواصل من الاخر المختلف عنه، تشتت عبّر عنه بكلمات وجمل داخل العمل بعضها غير مترابط وبعضها الاخر لا يعبّر عن سياق الاحداث ولا تاريخه لكنّه في المجمل يرمز الى الشتات، شتات يؤدي إلى الموت الذي يخافه البعض لكن لا تخافه سندة الحالمة «لأن الموت ليس هو الخسارة الكبرى ، الخسارة الأكبر هو ما يموت فينا ونحن أحياء «كما تقول على لسان محمد الماغوط».

الفنانون صلبان الوطن
داخل المسرحية اكثر من شخصية، شخصيتان اثنتان تؤديان الاحداث وشخصيات اخرى تؤثث الحدث لكنها غائبة جسديا، في العمل نقد لحال الفنان وما يعانيه في المجتمع، اشارات مترامية إلى قدرة الفنون على التغيير ودورها في انارة العقول المتحجرة ودفعها الى التفكير ، فالفن بكل تجلياته هو أصوات مكتوومة داخل اصحاب السيادة والريادة صرخات يخفيها الرؤساء والسلاطين والسياسيون يقدر الفنان على إخراجها إلى المتفرج دون زينة وتعرية الحقيقة كاملة فالفنانون هم وجوه الحقيقة وعنوانها كما تقول الممثلة.

قراءات لكلمات ناقدة عن اهمية الفن وضرورة حضوره وإشارات الى حال الفنان وما يقاسيه في مجتمع يحاول خنقه في ركن قصي، عناد وصراع بين رغبة الفنان في الصراع والبقاء والابداع ورغبة السياسي والمجتمع في دفعه الى الموت الفني تدريجيا حدّ الاستسلام وترك الفن.
في «الخربة» يحدث الصراع الثنائي والجمعي صراع سندة مع شخصيات بعضها موجود وأخرى تراها وتصنعها وتحاربها، تحاربها لتحقق طموح المرأة الذي لا يهزم، تفتت حواجز تمنعها من الابداع والتحليق في سماء الحرية والدفاع عن حقوقها كامرأة وحقوقها وطموحها كفنانةففي الخربة تتشكل الاحلام ويدافع عنها.
والخربة هنا يمكن ان تكون اشارة معنوية الى العفن والظلم والوهن المسلط على مثقفي البلد والراغبين في تفتيت قيود الجبروت.

في «الخربة» جمل نقدية لوضع تونس وماتعيشه من شتات، وكلمات اخرى ساخرة من حال الفن و الفنان، وعبارات اخرى ترمز الى الخطر حول حقوق المرأة وبعض الافكار الرجعية التي تحاربها، مسرحية يمكن تلخيصها كما قاموا بذلك بمقولة محمد الماغوط «لقد أعطونا الساعات، وأخذوا الزمن. أعطونا الأحذية، وأخذوا الطرقات. أعطونا البرلمانات، وأخذوا الحرية. أعطونا العطر والخواتم، وأخذوا الحبّ. أعطونا الأراجيح، وأخذوا الأعياد. اعطونا الحليب المجفف، وأخذوا الطفولة. أعطونا السماد الكيماوي، وأخذوا الربيع. أعطونا الجوامع والكنائس، وأخذوا الإيمان. أعطونا الحرّاس والأقفال، وأخذوا الأمان. أعطونا الثوَّار، وأخذوا الثورة».

حضرت معالم المسرحية وغاب الممثلون
«الخربة» مسرحية مدتها ساعة من الزمن، السينوغرافيا ممتعة في تماهي الديكور مع الضوء والموسيقى، النص أيضا كان نقديا وساخرا في الوقت ذاته، الشخصيات عبارة عن امرأة ورجل المرأة هي الطالبة الجامعية تحمل اسم سندة ووالدها البحار سلومة وفي مكان مهجور كما يرمز الديكور والموسيقى، في «الخربة» حضر النص والسينوغرافيا وقدمت الشخصيات أدوارها وقرأت نصوصها وغاب الممثل، غابت الروح عن الكلمات المقروءة، غاب الصدق في اداء الشخصية، النص في جزء كبير ممتع وناقد وموجع خاصة حين الحديث عن شتات الوطن والبحر «المحشّش على دماء الحراقة» لكنه قرأ كما حفظ دون القليل من الاجتهاد او الباسه بروح انسانية تعطيه قوة او وجعا فجاء النص جافا والاداء هامدا لا روح فيه.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

مفيدة خليل

ناقدة وصحفية من تونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق