في النقد

مسرحية طائر النورس: شاعرية المكان وحيوية الشخصيات : عصمان فارس

     فرقة المسرح الملكي دراماتن في ستوكهولم تتواصل وعرض مسرحية طائر البحر أو طائر النورس والكاتب الروسي أنطوان تشيخوف وإخراج المخرج السويدي ستيفان لارسون على صالة المسرح الكبير. مسرحية طائر البحر وبساطة حكايتها شاب صغير يهوي كتابة الدراما ويكتب مسرحية لتقوم بتمثيلها الجميلة نينا والتي يحبها، واذا بالمسرحية تفشل وتقع نينا في شباك حب الكاتب تريجورين يمارس مهنة واسلوب الكذب والخداع، ويحطم حياتها وتحاول نينا الرجوع الي حبيبها الشاب ولكن دون جدوي لقد انتحر وفارق الحياة . لابد من فهم مسرحيات تشيكوف الطويلة، صحيح انها تنتهي بالانتحار ولكنها غير تشاؤمية ففيها بعض جوانب المرح، ففي مسرحية طائر النورس صور حياة المجموع وليس حياة الفرد ،رغم وجود الممثلة الكبيرة أركادينا وابنها تريبولف صاحب المواهب الادبية وتريجورن القصاص الذائع الصيت، ونينا الفتاة الحالمة بالتمثيل والمسرح .


الفكاهة الساخرة وهذه الشخصيات مرتبطة مع بعضها ومع الشخصيات الاخرى، ورغم انتحار تريبولف لكن تجد رغم الحزن تلك الفكاهة الساخرة، ماشا ترتدي الثوب الاسود دائمآ فهي في حداد علي حياتها..عندما يسألها مدفتكو عن سبب اصرارها علي لبس السواد دائمآ.. و مسرحية طائر النورس مسرحية شعرية في جوهرها تصوير للحياة المغرقة بالخيال ومزج الواقع بالرمز.بعد هذا التنقيب عن الاسرار في النفس البشرية لكل شخصيات مسرحياته وهو يحبهم جميعآ. يقول تشيكوف عشت اجمل لحظات مع كل شخصياتي، ففي مسرحياته تشيكوف تختلط الدموع مع الضحكات والامل واليأس، ويبرز الشعور بالوحدة التي تنتاب شخصياته. وعلى الرغم من الغرابة الذي يكتنف مسرحيات تشيكوف وخاصة مسرحية بستان الكرز ومسرحية طائرالنورس لكنهما لهما القدرة علي اجتذاب الجمهور وفيها نوع من السحر يستحوذ علي ادراك المتفرج ، فخيال تشيكوف يلقي نورآ علي شخصياته، ومنجزه المسرحي لايقل اهمية عن مسرح ابسن وسترندبرج . ففي مسرحياته تجد البناء والايقاع والشعر المسرحي وهو يسجل علاقة الشخصيات والصمت والتوقف كلها علامات وشفرات رسائل مكتوبة، فكل شخصياته تتشابه مع بعضها، شخصيات في المظهر كسالي لكنهم اناس ذوو حيوية فائقة في عالم لامبال وعقم الحياة فمسرحيات تشيخوف، والتي لم تكن تتمتع، خلال حياته بنجاح خاص، نجد انه من جديد يتم إخراجها علي احسن واشهر الخشبات المسرحية في العالم، وفي مختلف اللغات، و أن المخرجين يجدون جانباً واحداً وثانيا وثالثاً، سابقاً غامضاً وغير مكتشف
عندما ترتد الضحية على ذاتها ونهايتها هي الانتحار الامر الذي لايستطيع الاخرون تفسيره أوفهمه، فاالضحية خاضت الصراع وعاشت التناقض مع الشريحة الاجتماعية ونجد ذللك في مسرحية طائر النورس بداية إمتداد هذا البناء قسطنطين الذي يحاول صنع شيئ جديد يحمل عبئ إثم مجموعته وفوضية طريقة عيشها لكنه يعيش عالم الاحلام والخيال وتكون نهايته الانتحار ربما يصعب على الاخرين فهمه ،مهما كان النص قديمآ لكن المخرج حاول تقديمه الى ناس معاصرين والمحافظة على العناصر والمعاني المعاصرة لكي يبقى المتفرج في تواصل ويعايش الشخصيات وما يحدث لهم ولكن يبقى الماضي يلقي بظلاله على الحاضر ومن ثم المستقبل .وهذه المسرحية طائر النورس قدمت اول مرة في روسيا سنة ١٨٩٦ ولكنها فشلت فشلآ ذريعآ وأصيب الكاتب تشيخوف بخيبة أمل واعتكف وقرر عدم الكتابة للمسرح ولكن ستانسلافسكي في مسرح موسكوا أعاد الروح الى النص عندما أخرجها بطريقة معاصرة وليس بطريقة تقليدية . يبقى عنصر المكان مهم في هذه المسرحية وفي كل مسرحيات تشيخوف وكذلك العالم الداخلي لكل الشخصيات من مشاعر وسلوك والحالات النفسية وشاعرية المكان وحيوية الشخصيات وطريقة ممارسة قوس حياتهم اليومية بجوار البحيرة وكذلك وجود مزرعة والجميع يعيش قصة حب فاشلة والكل لهم اهتمام وعلاقة بالادب والفن نجد تريجورين كاتب قصة وكوستيا كاتب مسرحي وكذلك أركادينا ممثلة مشهورة والشابة نينا ممثلة تطمح ان تصبح نجمة في عالم الفن والاخرين يعشقون الادب والفن ولكن معاناة الجميع يعيشون تعاسة الحب والبعض الاخر يعاني الحب من طرف واحد مثل ماشا تحب كوستيا ولكن كوستيا لايبادلها الحب لكونه مغرم بحب نينا ومع ذلك تبقى صلة الحب مفقودة مابين نينا وكوستيا لكونها ترغب الى موسكوا لكي تصبح ممثلة مشهورة وتقع في شباك حب تريجورين القاص ومع ذلك تفشل وترجع الى القرية ويحاول كوستيا التعلق بها لكن تبقى نينا متعلقة بحب تريجورين لذلك يقرر كوستيا الانتحار بسبب اليأس والكأبة والعزلة الذاثية وفقدان الامل وفشل مسرحيته وعدم اهتمام امه اركادينا بالعرض المسرحي الذي مثلثه نينا.الجميع يسعى لتحقيق السعادة المبتغاة ولكن تدفع ثمن ذلك نتيجة الفشل والمعاناة والحزن يبدأ العرض المسرحي في بيت ريفي جميل عبارة عن مزرعة وضيعة وبحيرة والجميع يلتقي هناك وفي فصل الصيف الجميل وهم يرتدون الملابس البيضاء الممثلة الكبيرة أركادينا وعشيقها الكاتب القصصي تريجورين وفي ضيافة الاخ سورين المريض ومعه طبيب العائلة والابن كوستيا يعلن الاستعداد لتقديم مسرحيته مع صديقته الممثلة الشابة نينا ويبدأ العرض المسرحي مسرح داخل مسرح وتتسلق نينا الارجوحة مع اجهزة تخلق الريح واصوات امواج البحر لكن اركادينا الام لايعجبها العرض المسرحي فيتشنج الابن ويصرخ على انه سوف يترك التمثيل والاخراج ويصاب بخيبة أمل وحزن اما ماشا الوحيدة ترتدي السواد تحب كوستيا من طرف واحد ولكنها تفشل في اقناعه وتتجه نحو الشراب لغرض ان تنسى همومها وتبقى نينا الاسيرة والضائعة والباحثة عن احلامها في أن تصبح ممثلة مشهورة وتهرب مع تريجورين وتعيش معه وتفشل علاقتهما ويرجع تريجورن الى اركادينا وفي اجواء القرية والبحيرة واما نينا تصف نفسها انها مثل طائر البحر ويبقى كوستيا يشك في علاقتها بتريجورن لكنه يفشل في كسب ودها وحبها له .وفي هذا الجو العائلي المشحون بالصراعات الجميع يلعب الورق ونسمع صوت طلقة رصاص ويؤكد دورن وهو يشاور تريجورين على انتحار كوستيا الابن وتبقى مسرحية النورس وتشيخوف وعدم رضا شخصياته عن الحياة والوضع الاجتماعي . استطاع المخرج استيفان لارسون ان يبرز اللون والضوء والشكل من خلال سينوغراف وتشكيل الممثلين والتركيز على حياة المجموعة دون الفرد ومع ذلك تبقى اركادينا الممثلة المشهورة تخشى كبر سنها ويبقى الابن كوستيا صاحب الموهبة الفنية وتعلقه بأمه واما القاص تريجورين يشعر بعقدة النقص في الموهبة أما الممثلة الشابة نينا الحالمة بالنجومية والشهرة وسورين المريض والمدرس سيمون وتبقى ماشا تعيش الحداد العام وهي ترتدي الملابس السوداء ومع كل هذا الشقاء لكن الجميع يرتدي الملابس البيضاء. تلك هي مسرحية النورس التي فشلت وخيبت امال الكاتب تشيخوف لكن العالم يحتفل بميلاد تشيخوف وتقدم مسرحياته في كل مسارح العالم ويبقى النص المسرحي هو القانون والمسرح هو صيغة هذا القانون ومفجرمكنوناته ويبقى مسرحه مختلف ومميز وهو عبارة عن دراما داخلية او دراما التيار الجارف تحت سطح الماء وتكرار ذكريات الماضي والمستقبل والحب الفاشل والحالة النفسية والضياع وثيمة مسرحياته مبنية على ملامح الطبيعة بحيرة وبستان ونورس وبيت ريفي وشخصياته عبارة عن الم وحزن ويأس وفرح ولها دور مهم في مجريات الاحداث الكل يناجي ماشا حياتها عبارة عن حداد عام أما سورين والفشل في ان يصبح كاتب وعدم الزواج وحلم العيش في المدينة لكنه عاش في الريف طوال حياته الجميع يعيش شكوى ضياع الفرص وعدم تحقيق الاحلام ومع ذلك يقول تشيخوف الدراما ليست مجرد أدب بل هي مسرح والكاتب المسرحي يجب ان يكون فنان أو شاعر وهو يغزو المسرح ويهتم بالاحدات ويصور حياة الناس وحلمهم الذي يتحقق او لايتحقق وتصوير واقع الناس وتفاهة الحياة وايقاعها البطيئ وإظهار سلوك الانسان كمظهر من مظاهر الحياة اليومية والعادية وتبقى كل الشخصيات مهمة على خشبة المسرح وعلاقاتها الانسانية

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

عصمان فارس

عصمان فارس مخرج وناقد مسرحي عراقي - ستوكهولم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق