مسرحية كاليجولا.. طاغية روماني يقطع الرؤوس ويحلم بقطف القمر / حكيم مرزوقي الكاتب والمؤلف ألبير كامو يذهب بالجنون نحو أقصاه من خلال قصة الدكتاتور المدهش كاليجولا.

المصدر : العرب

بعد تراجع موجة الاهتمام بكتب السير الذاتية للدكتاتوريات عند انتهاء الحرب الباردة، بدأ العالم ينتبه من جديد، إلى الملفات الشخصية للحكام والسياسيين. يتوقف عند الشاذ والغريب في سلوكياتهم وماضيهم الطفولي، ويقاربه مع سياساتهم الراهنة، وذلك في قراءة استشرافية لما يمكن أن تؤول إليه الأمور في بلدان وصل إلى سدة الحكم فيها أشخاص موتورون وغريبو الأطوار، وإن كانت العملية تتم بطريقة ديمقراطية. الكتابة الدرامية ذهبت أبعد من ذلك، وتقصّت أغوار الشخصية الاستبدادية من زاوية وجودية قد توشك أن تمنحها المبررات وصكوك البراءة، من وجهة نظر فلسفية كما فعل الكاتب والمفكر الوجودي الفرنسي ألبير كامو (1913 – 1960) في مسرحيته التي تناول فيها حياة ثالث أباطرة الرومان، كاليجولا، منذ تاريخ توليه الحكم عام 37 ميلادي وحتى اغتياله سنة 41 م. يتشابه الطغاة حتى في نهاياتهم، ومصائرهم التي تنزع نحو الرغبة في محو آثارهم من قبل المنتقمين منهم في التاريخ المعاصر، فبعد تاريخ مدمّى بالاغتصاب والحرق والقتل، لقي كاليجولا، حتفه مطعونا بـ30 طعنة على يد مجموعة من حراسه وأقرب المقربين منه،  ليتم إلقاؤه بأحد الآبار العميقة، إمعانا في نسيانه، وإلى الأبد.. لكنّ ألبير كامو، يعيد الروح للجثة وينفخ فيها لتعاد محاكمتها.

لم تعرف البشرية أغرب ولا أفظع، ولا أعمق فكرا قلوقا وجسورا مثل كاليجولا. وكأن التاريخ يحب أن يختصر نفسه في شخص يمثّل كل صروفه وتقلباته فلم يجد أنسب من كايوس الإمبراطور الروماني الملقب بكاليجولا، الذي ذهب بالطموح الفردي نحو أقصاه، وكانت النتيجة: العبث.. ولا شيء غير العبث.

التقط المؤرخون وصنّاع الدراما الإنسانية، سيرة هذه الشخصية بكل ما علق بها من شوائب، وما أثير حولها من زوابع وأقاويل، ليجعلوا منها نموذجا لتحوّلِ فردٍ حالم، محب ووديع، وربما معتوه، نحو الدكتاتورية في أشنع أشكالها، وذلك عبر إطلاق العنان لخياله الشخصي وطموحه الفردي.

لعلنا تعلمنا من سيرة هذا الطاغية الذي كان يحلم في صغره بقطف القمر، وبناء جسر معلق يربط بين روما وكوكب المشتري، أن الطفولة قد تكون قاتلة ومدمّرة إن استبدّت بصاحبها، ورافقته نحو الكبر.. فما بالك إن احتضنته وهو على كرسي السلطة والنفوذ.

كل الدلائل تشير إلى أن كاليجولا، كان في طفولته مصابا بالتوحّد، وفق تشخيصات وتصنيفات أطباء علم النفس الحديث، فهل تُخفي أحلام الطفولة خلفها، مشروعا عدائيا واستبداديا، إن توفرت لها ظروف التمكّن والتمكين؟ وما دور المحيط والحاشية والبطانة في تغذية هذه النزعة.. أليس الدكتاتور هو من تصنعه ضحاياه، وينفخ فيه المقربون منه والمهللون لنزواته؟

أسئلة حارقة تطرحها سيرة هذا الطاغية الذي يجعلنا الكاتب والمفكر الوجودي ألبير كامو، نتعاطف معه بحذر شديد، ذلك أنه كان ضحية لمفهوم السلطة حين تتكفل بالرد على نزوات الطفولة وتلبية طلباتها.

“ما أفظع وما أمرّ أن تكون إنسانا” عبارة قالها كاليجولا، وهو في أوج هزيمته، وانحنائه أمام تلك الأسئلة التي جعلت منه بطلا وجوديا وفق ما أراد له ألبير كامو، أن يكون على الورق وخشبة المسرح، وفي ذهن كل من سلبته لبّه هذه الشخصية الإشكالية. لماذا لم تترك يا ألبير الإمبراطور كايوس ينام في سلام بتلك البئر العميقة التي ألقي فيها، وقد نسيته روما أو حاولت أن تنساه؟

كاليجولا، خطر على اطمئنانك، يثير الأسئلة الراكدة، ويذهب بالجنون نحو أقصاه.. لذلك اختاره صاحب “الغريب” و”الإنسان المتمرد” و”الطاعون” عنوانا للجموح الفردي الذي يضاهي جموح حصانه الخاص المعروف بتانتوس، والذي عيّنه صديقنا كايوس مستشاره الشخصي، وعضوا جديدا بمجلس شيوخ روما. ألم يُطلق كاليجولا، عبارته الشهيرة متوعدا شعبه “سأكون لكم بديلا عن الطاعون”؟

أما أنا فأسرق بصراحة

ليس اعتباطا أن يقدم كامو، على اختيار "حاكم بأمر الله" كنموذج لسلطة تستمد شرعيتها من قداسة النص القانوني، ثم تحرفه نحو أهوائها ونزعاتها
ليس اعتباطا أن يقدم كامو، على اختيار “حاكم بأمر الله” كنموذج لسلطة تستمد شرعيتها من قداسة النص القانوني، ثم تحرفه نحو أهوائها ونزعاتها

لم تعرف البشرية في تاريخها، شخصا يقارع المنطق ويغلبه أكثر من كاليجولا. ولم يحرج أحد الآلهة والعامة وفقهاء القانون كما فعل كاليجولا. جادل كل دساتير روما وتفوق عليها، ثم نال حقه باسم شرعية السلطة.

كيف لسليل أسرة نبيلة، وطفل مولع بالقتال، يلقبه الجنود بكاليجولا أي حذاء المقاتل الصغير، أن يصبح أسطورة في الجبروت، وهو الذي أحبه شعبه أول تسلمه الحكم، لفرط عدالته وإنصافه للمظلومين؟ من أين جاءه هذا الانقلاب في الخلق والسلوك؟ أم أن الأمر يتعلق بالأضداد حين تمشي نحو أقصاها؟

إنها ثورة في المفاهيم التي نامت وسكتت عليها روما طويلا، ثم ما لبثت أن صحت على رعب الحقيقة كما هو الحال لدى أسلاف كاليجولا، من يوليوس قيصر الذي تآمرت عليه روما بأكملها، مرورا بنيرون الذي أحرقها حبّا وانتقاما.

مارس كاليجولا، عربدة سياسية وفكرية، وزاد عليها بعربدة “بورنوغرافية” ركّزت على الجانب الجنسي، ومدى فاعليته في اتخاذ القرارات المصيرية، وقد وثّقتها أفلام سينمائية وُصفت بـ”الماجنة” في التاريخ الحديث. إنه شخص يحاجج القانون وينتصر لمنفذيه بضحكة ساخرة وبلهاء، كقوله لسيّافه قبل الشروع في القتل “اقتل بتروّ.. دعه يتذوّق طعم الموت جيدا”، ثم ينظر في عين القتيل قبل تنفيذ حكم إعدامه ويتثاءب قائلا بجدية “إن أكثر ما يُثير إعجابي هو اللامبالاة”.

كان لا بد لهذا الكابوس الجاثم على صدر روما أن ينتهي، وكان على أي شخص أن ينطق بالحقيقة. ولا يمكن للأخيرة أن تأتي من الشعب الخنوع الذي ينخره الجبن والخوف، بل من داخل السلطة المتعفنة والمتآكلة، فصرخ براكوس أقرب مقربي كايوس للإمبراطور المريض، وصاح في أعضاء مجلس الشيوخ “إلى متى يا أشراف روما نظل خاضعين لجبروت كاليجولا”. قذف حذاءه في وجه حصان كاليجولا وقال “يا أشراف روما افعلوا مثلي.. استردوا شرفكم المهان”. فاستحالت المعركة بالأطباق، وتجمع الأعضاء وأعوان كاليجولا عليه حتى قضوا عليه وقتلوه مع حصانه “المستشار”. ولما وصل الخبر إلى الشعب خرج مسرعا وحطم كل تماثيل كاليجولا، التي استحدثها في المعابد وأجبر سكان الإمبراطورية على عبادتها والانحناء إليها كل صباح.

لا يمكن أن يكتب هذه المسرحية التي تؤرخ لأعتى طغاة العالم، وأكثرهم حكمة، إلا رجل مثل ألبير كامو، وقد تصدى إليها بين الحربين (سنة 1938) وهو في سن الخامسة والعشرين، أثناء إقامته في الجزائر. وإلى يومنا هذا يعدّها النقاد أفضل مسرحيات هذا الرجل الحائز على جائزة نوبل للآداب في خمسينات القرن الماضي. واعتبرها النقاد “عصيانا شيطانيا ضد القدر، قدمه لنا مؤلفها وهو في الطريق للبحث عن معالجة لمشكلة الحرية”.

كاليجولا إمبراطور العبثية المطلقة، وطالب الأضداد والمستحيلات الذي قال يوما “أريد أن أذيب السماء في البحر وأصهر الجمال مع القبح وأن أخلق من الألم فقاعات من الضحك”

ليس اعتباطا أن يقدم كامو، على اختيار “حاكم بأمر الله” كنموذج لسلطة تستمد شرعيتها من قداسة النص القانوني، ثم تحرفه نحو أهوائها ونزعاتها في إشارة إلى ضلالة الحاكم والمحكوم، وفي سخرية واضحة من فكرة مفهوم الدولة وقوانينها ضمن استحقاق وجودي وفلسفي، لا ينفكّ عن السخرية من كل شيء. ألم يعيّن كاليجولا جواده مستشارا في مجلس الشيوخ، وطالب الأعضاء بالوقوف له تحية وإجلالا، فقط، لأنه مطية لإمبراطور روما.

كاليجولا رجّ وزلزل المفاهيم من تحت أقدام القانعين بالثبات، وازدرى الحاكم والمحكوم، على حد سواء. لقد جعل أكبر وأعرق إمبراطوريات الأرض، مهزلة، ونبه الناس إلى فكرة “اللاجدوى” من أسطورة السلطة التي بإمكانها أن تصنع من أبله متوحد، وناج وحيد من إخوته الستة، دكتاتورا يتلاعب بمصائر وأرواح، يغزو بلدانا، يقوّض أمن شعوب مجاورة، ويغير من الجغرافيا والتاريخ.

كان كاليجولا -مثل حكام كثيرين في عصرنا الحالي- محبوبا من طرف شعبه في أشهره الأولى، أنجز وقدّم لصالح بلاده ما لم ينجزه أحد، ثم ما لبث أن استحال إلى طاغية لم تر روما شبيها له. هل هي لوثة السلطة التي قال عنها الكاتب المسرحي السوري سعدالله ونوس في مسرحيته “الملك هو الملك” عبارته الشهيرة “أعطني تاجا وصولجانا أعطِك ملكا”، أم هي التحولات البشرية في الذات الإنسانية التي لا تستقر على أي مفهوم.. أم أن الحياة، في النهاية، فصل من العبث يكتبه المقتدرون والمتسلطون في حق الصغار والمستضعفين؟

كل شيء في كاليجولا يجعلك تستهتر بكل شيء، من قتله على سبيل الشبهة لأحد أتباعه (ميريا) حين لمحه يتجرع دواء، ظانا منه أنه يفعل ذلك اتقاء من تسميمه، إلى الانتقام من أتباعه المنافقين محملا إياهم مسؤولياتهم في الدعاء له بأن يفدوه بأرواحهم، ووصولا إلى مضاجعة امرأة أمام زوجها من حاشيته، إمعانا في إهانة من لا يذود على شرفه أمام جبروت السلطان.

لم يبق لدى كايوس الملقب بكاليجولا، شيء لا يستبيحه، طلبا للسؤال الملح، وهو الرد على سطوة السلطة و”شرعيتها” والسؤال عن مدى حدودها، حتى بلغ به الأمر درجة سفاح المحارم وإتيان الفواحش التي كانت لا ترضاها، حتى روما الوثنية والشرائع السائدة، آنذاك. إنه “شيطان المشاكسة وسيدها على كل ما هو محظور”.

كاليجولا، إمبراطور العبثية المطلقة، وطالبُ الأضداد والمستحيلات الذي قال يوما “أريد أن أذيب السماء في البحر وأصهر الجمال مع القبح وأن اخلق من الألم فقاعات من الضحك”.

كاليجولا عربيا

كاليجولا مسرحية لا تملها الأعين بالمشاهدة
كاليجولا مسرحية لا تملها الأعين بالمشاهدة

لم تغب “كاليجولا” عن المسرح العربي، إعدادا واقتباسا وإخراجا، منذ منتصف القرن الماضي، وذلك لأسباب يسهل شرحها، من ناحية المقاربة السياسية والواقعية الاجتماعية، فليس أسهل من التخفي وراء طيف كاليجولا، لقول الكثير عمن يشبهه من الحكام والدكتاتوريين والمتسلطين، بالإضافة إلى روعة وألمعية هذه المسرحية الرائعة على خشبات العالم.

لعل أجمل النصوص المسرحية العربية التي قاربت “كاليجولا” بل وضاهتها عمقا فلسفيا زاده العبق الصوفي، هو ما كتبه التونسي القيرواني بشير القهواجي، في عمل حمل عنوان “بيارق الله” مستحضرا فيه شخصية الحاكم بأمر الله الفاطمي في مصر، ومستلهما غرابة هذه الشخصية من محيطها الأسري ونسيجها النفسي في مقاربة ذكية مع شخصية كاليجولا، خصوصا في علاقته المريبة مع شقيقته، ومدى تأثير ذلك على سلوكه ونزوعه نحو دكتاتوريته وسلوكه الشاذ.

أما في ما يخص التناول الإخراجي والإعداد الدراماتورجي لـ”كاليجولا” فيبقى رائد المسرح التونسي علي بن عياد (1930 – 1972) أهم من قدمها في أواخر ستينات القرن الماضي مع السوري شريف خزندار والمصري جميل راتب. ولا يكاد يخلو مهرجان عربي من “كاليجولا” تضفي لمسة لا تزال حية وطازجة على المشهد المسرحي، من المصريين نور الشريف وإلهام شاهين في ثمانينات القرن الماضي، مرورا بالسوريين جهاد سعد وجيانا عيد، ووصولا إلى نسخته التونسية التي حملت توقيع المخرج الفاضل الجزيري، في الدورة الأخيرة لمهرجان “أيام قرطاج المسرحية”. وما ميز هذا الاقتباس هو احتواء الواقع التونسي وتضمين المسرحية قضايا راهنة تتعلق بالمرأة والتهديد الأصولي، وغير ذلك مما يتعلق بفكرة “الآن وهنا” كمطلب مسرحي ملحّ.

ازداد الاهتمام بكاليجولا بعد تنامي الدراسات والأبحاث التي تأخذ بسيكولوجيا الطاغية، والرغبة في معرفة النزوع نحو الاستبداد لدى حكام كثيرين، رغم أن العمل قد كتب قبل ظهور “نجومية” هتلر وموسوليني وستالين، وحتى فرانكو في إسبانيا، لكن اللافت للنظر أن تسمية كاليجولا، وتعني الحذاء العسكري بلغة أهل روما، ظل حاضرا في دلالاته، رغم إصرار البعض على تغليب الجانبين الفلسفي والوجودي، بدلا من القراءة الأولى لفكرة الطاغية في حدودها السياسية.

كاليجولا مسرحية لا تملها الأعين بالمشاهدة، ولا الأقلام بالاقتباس للمسرح والسينما، ذلك أنها عمل لا يموت إلا بموت الطغاة والدكتاتوريين، والأهم من ذلك كله، أنه عمل يتجدد داخل كل فرد فينا عند كل صباح بالقول إلى نفسه عبارة قالها كاليجولا “ما أقسى وما أمر أن تكون إنسانا”. كايوس كان يسعى وهو صغير إلى قطف القمر، واستمر في فعل ذلك كبيرا. يا لفظاعة أن يظل الواحد طفلا.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق