الاخبارالمسرح العربي

مسرحيون اماراتيون: الماضي غالب والإسقاط الرمزي هو البطل / ابراهيم الملا المصدر : الاتحاد

منذ بدايات الحركة المسرحية في الإمارات، كان اهتمام المسرحيين الإماراتيين بطرح قضايا وأسئلة وهموم مجتمعهم يتخذ أشكالاً متعددة وتصورات مختلفة، يحددها النص المسرحي أولاً باعتباره القاعدة الأولى التي ترتكز عليها بنية العرض، ثم يأتي الإخراج المسرحي ثانياً كطريقة تعبير تقرأ النص جيداً وتخرج منه باقتراحات تتعلق بالأداء واختيار التقنيات المناسبة التي تترجم هوية وغاية ومطلب العمل ككل، وشارك في تنفيذ هذه المسرحيات كُتاب ومخرجون محليون وعرب، ولكن تعاطيهم مع القضايا المحلية كان يتفاوت بين الجرأة والتحفّظ، أما الإسقاط الرمزي أو غير المباشر للقضايا الحاضرة والملحّة في زمن معين وفي ظرف محدد، فكان هو السائد والمسيطر على هذه الأعمال.

للتعرف على ملامح هذه النوعية من المسرحيات المتماسة مع أسئلة المكان وتطلعاته، وقدرتها على إيصال الرسائل النقدية، والعقبات التي تجعل بعض المسرحيين مترددين في طرح القضايا الاجتماعية بالجرأة المطلوبة، دون التنازل عن فنيات وجماليات العرض المسرحي بشروطها القياسية، التقت «الاتحاد» عدداً من المسرحيين الإماراتيين للوقوف على رؤاهم تجاه هذه المسألة.
يشير الفنان والمخرج المسرحي الدكتور حبيب غلوم إلى أن الإشكالية التي يعاني منها المسرح الإماراتي عند تناوله القضايا المحلية، هي اهتمامه بالشكل التراثي والفلكلوري أكثر من اهتمامه بنوعية وعمق القضية المطروحة وكيفية التعبير عنها مسرحياً، مضيفاً أن معظم العروض المحلية تستعيد الشكل الماضوي من خلال ملامح ومعالم غارقة في القدم ولم يعشها أو يعاصرها الكاتب والمخرج والمشاركون في العمل. وقال إن خلق التوازن مطلوب للجمع بين الأعمال التي تخاطب الأزمنة القديمة وتسقطها على الحاضر، وبين الأعمال التي تنبع من الحراك الزمني المعاصر نفسه بكل ما يعتمل فيه من قضايا ومعضلات آنية ومشاهدة، ويجب تحليلها ومناقشتها ضمن قالب مسرحي مناسب ومعبّر عن تأثيرها السلبي في المجتمع.
وعن قلة النصوص المحلية وندرة الكُتاب الإماراتيين القادرين على إبراز طبيعة هذه المشاكل الاجتماعية بأسلوب إبداعي مؤثر، أوضح الدكتور حبيب غلوم أن قلة النصوص وندرة الكُتاب هي مشكلة عامة يعاني منها المسرح المحلي والخليجي والعربي عموماً، مضيفاً أن الفرق المسرحية تسعى إلى اقتناص الجوائز، وترى أن العودة إلى الماضي وإلى النمط التراثي تحقق لها هدفها من المشاركة والتواجد في المهرجانات، وبالتالي فهي تهمل النصوص التي تناقش القضايا الحاضرة أو تلك المتوقع حدوثها في المستقبل، وقال: «يجب على المسرح المحلي الخروج من نمطه الموسمي، وخلق حالة دائمة ومستمرة تؤدي إلى تنامي مردوده المادي والمعنوي والترويجي، وبالتالي خلق قاعدة من الكُتاب القادرين على التعاطي مع القضايا المحلية من خلال وجهات نظر متنوعة وأساليب كتابة ثرية ومتعددة».
ويرى الممثل الإماراتي عبدالله مسعود أن سيادة العنصر التجريبي وما يرافقه من مكونات عرض تبدو تغريبية وخصوصاً في المهرجانات، جعل المسرح المهتم بطرح القضايا المحلية في الإمارات منزوياً نوعاً ما، بينما نجد أن المسرح التجاري والجماهيري يتطرق لهذه القضايا ولكن بأسلوب كوميدي في أغلب الأحيان، وبالتالي، كما يضيف عبدالله مسعود، فإن تناول هذه القضايا المحلية بأسلوب تلقائي وواقعي وفي قالب فني جريء وبأسلوب مسرحي رصين، أصبح نادراً، وأصبحت الرقابة الذاتية المبالغ فيها أحياناً، من قبل الكتاب خصوصاً، هي العقبة الحقيقية التي تؤجل ظهور المسرحيات الهادفة في طرحها والمتعمقة والقارئة لأصل هذه المشاكل والقضايا، أو على الأقل إثارتها ووضعها تحت مجهر التحليل الفني والموضوعي.
وأضاف عبدالله مسعود أن المسرح الذي يؤكد على مسألة الهوية الوطنية، ويكيّف النصوص المسرحية لصالح البيئة المحلية، قادر مع استمراريته على التعاطي مع القضايا المحلية بأسلوب متوازن يخرج من نطاق الخطابة والوعظ والمباشرة، وينجو أيضاً من الرمزية المفرطة والتغريب المقحم.
أما الكاتب المسرحي الإماراتي طلال محمود، فينظر إلى غياب القضايا والهموم المحلية الجادة عن المسرح الإماراتي من زاوية مختلفة، وهي زاوية طغيان اللغة الفصحى على معظم الأعمال المقدمة، وقال إن اعتماد هذه اللغة تحديداً في العرض المسرحي المحلي وضعها في مجال أقرب للواقع العربي والإنساني عموماً، دون الذهاب إلى التفاصيل الشعبية واللهجة المتداولة، مما يضع القضايا المحلية خارج نطاق اهتمامها، أو الاقتراب منها أحياناً بحذر وتحفظ، وهنا -كما قال- علينا أن نوضح للكتاب والمخرجين المحليين أن واقعنا المحلي غني بالحكايات والقصص والآلام والتطلعات، سواء على المستوى الفردي أو الجماعي، خصوصاً مع التفكك العائلي والإشكالات الأسرية والاجتماعية التي تسببت بها الظواهر المادية الحديثة، إضافة إلى الصراعات التي ينعكس تأثيرها في الداخل، بشكل مباشر أو غير مباشر، وبالتالي كما أكد طلال المحمود، فإن هناك الكثير من القضايا العالقة في مجتمعاتنا والتي تحتاج لمعالجات مسرحية حقيقية وفعّالة تساهم في إيجاد حلول لها، أو على الأقل تسليط الضوء عليها ومناقشتها فكرياً وفلسفياً واجتماعياً.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق