مقالات

مغامرة تستحق التحية ” بهية” نجيب سرور الراقصة / محمد الروبي

أسعدنى حظى مؤخرا أن شاهدت عرضا راقصا لفرقة فرسان الشرق والأجمل أنه يحمل اسم (بهية) نسبة إلى بهية نجيب سرور . وللحق طوال الطريق إلى مسرح الجمهورية لمشاهدة العرض وأنا أسأل نفسى كيف يمكن أن يقدم نص لنجيب سرور بأسلوب الرقص الحديث؟ صحيح أننا شاهدنا عروضا عالمية كثيرة تعتمد ذلك الفن فى تفسيرها لنصوص من علامات المسرح . ولعلنا لم ننس بعد ما كان يعد لنا مفاجأة كبرى آنذاك إذ قدمت إحدى الفرق الفرنسية عرضا راقصا صامتا عن رائعة سارتر ” جلسة سرية ” ضمن عروض مهرجان التجريب فى دوراته الأولى، إلا أن نصوص نجيب سرور تحديدا ، ومن بينها هذا النص (ياسين ويهية) وبما يحمله من خصوصية تتمثل فى الأجواء الريفية والحكايا الفلكولورية سيقف حتما حائلا أمام محاولة تفسيره بالرقص وحده. فهل سيخرج من هذا المزج بين (لفلاحى) و (الحديث) مسخا يسيء إلى نجيب وإلى الرقص فى الآن نفسه ؟
كانت تلك الأفكار وهذه الأسئلة محفزات المشاهدة ، فما أجمل أن ترى مغامرة فنية حتى وإن جاءت على غير توقعك أو كما كنت تتمنى .
لكن هناك ومع المشهد الأول للعرض أيقنت أن كريمة بدير (مخرجة العرض) ومعها الدراماتورج (محمد فؤاد) واعيان بما يريدانه من نص نجيب سرور، فالاختيارات الحوارية منتقاة بعناية لتسهم فى فهم الحدث وتتطوره. كذلك تصميم الخطوات الذى اجتهد فى أن يأتى مختلفا بقدر عن المعتاد ، تصميم الملابس كذلك سواء الصريح منها أو المشير عن بعد أسهم فى الاقتراب من الأجواء .
جاء المشهد الأول وكأنه استدعاء من العالم الآخر، شخوص ترتدى الأبيض الفضفاض تحكى عن ما كان وتتساءل الأسئلة نفسها التى طرحها النص، ثم يختفون اختفاء تدريجيا يتيحون لأبطال الحكاية تجسيدها. هذا المشهد وحده طمأننى على أن المزج (بين الفلاحى والحديث) لن ينجب مسخا ، وطمأننى على أن أصحاب العرض لديهم رؤية ما ربما سنتفق أو سنختلف معها لكن امتلاك الرؤية فى حد ذاته والآن أمر يطمئن.
ستتوالى المشاهد، ومع كل مشهد سأتيقن أكثر من أمتلاك العرض للرؤية. حتى اختيار الأحمر الفاقع المزين بالفضة اللامعة لرداء بهية والذى يجعلها أقرب إلى غوازى ذلك الزمان القديم ، لا يتناقض إطلاقا مع معنى بهية ودلالاتها ، بل يؤكدها فهى الفتنة ، والأرض ، والثورة . فى المقابل تأتى بهية أخرى، فلاحة كما ينبغى أن تكون، زيا وخطوات وخجلا . والجمع بينهما تأكيد على المعنى الكامن فى بهية وكل بهية.
عرض بهية يستحق قراءة أكثر تفصيلا ، لكننى أحببت أن أسارع بتحية لفنانين أجتهدوا وغامروا فى مقابل من يصنعون نجاحهم وشهرتهم على سرقة إبداع الآخرين .

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

محمد الروبي

ناقد مسرحي من مصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق