المسرح العراقيمقالاتمنوعات

مـسـرح يوسـف العـانـي يؤدي وظيفته التنويرية النهضوية/نور محمد

منذ مسرحياته الأولى:(طبيب يداوي الناس). ولاحقاً: (راس الشليلة)، و(لَوْ بسراجين لَوْ بظلمة)، و(ستَّة دراهم)، و(آني أُمَّك يا شاكر)، و(المفتاح)، و(الخرابة)، و(الخان). يضع الكاتب والناقد والممثِّل والمخرج المسرحي يوسف العاني (1927- 2016م) قارئه أو متفرِّجه في مواجهة مع الأحداث، التي يذوِّبُ فيها الألم بالضحك؛ فساد سياسي واجتماعي واقتصادي، تحرسه ميثيولوجيا مُقيمة في النفس، فيكشف العاني عيوبها واستغباءها للناس، ومن ثمَّ تغوُّلها وهي تفترس قيم الجمال الأخلاقية، فتراه يصدم الشر بالخير، ويصدم الخيانة بالبطولة؛ كونهما المعتديين؛ الشر والخيانة، فنرى احتدام الشهوات، والتنافر الروحي ما بين هاتين القوتين؛ الشر والخير.
 

يوسف العاني في مسرحياته (آلمه)؛ بل حزَّ قلبه أن يكون الإنسان ضحيةً للإنسان… أين العقل؟ أليس وجود العقل أن يرى الأشياء من روح وحقيقة ومعنى؟ لقد عمل على ذلك مؤلِّفاً وممثِّلاً ومُخرجاً، ومن منطلق فكري (بريختي) يعتمد على التحليل المادي الجدلي. فهو يريد من المسرح كـ(فن) أن يرى المسؤول ما يفعلونه بالضحايا الذين هُمُ الناس. العاني في مسرحه يتهكَّم، يسخر. هو مسرحيٌ ساخر يريد من المسرح، أن يؤدِّي وظيفته التنويرية والنهضوية، لأنَّه يُدرك مدى علاقته وتأثيره بالوجدان والحسِّ الوطني والتاريخي، في تعميق الوعي الاجتماعي للإنسان، فهو يرينا خاصَّة على الخشبة المعاناةَ الانفعالية والعاطفية لأفكار شخصياته، وضرورة تمثلها روحياً.

المسرح حسب يوسف العاني، من خلال نصوصه، يجب أن يقف ضدَّ تدمير الضمير الوطني والقومي للإنسان، ومع إيقاظ حسِّه المدني. ففي مسرحية (آني أُمُّك يا شاكر) وهي مسرحية أفكار، كتبها متأثِّراً بـــ(أُمْ) مكسيم غوركي، يُقتل ابنها شاكر على يد المحتلين الإنجليز، فيما يُقتل ولدُها الثاني في السجن تحت التعذيب. فيرينا يوسف العاني قوَّة الحسِّ الوطني عند أُم شاكر وابنتها وجارتها، في عملية تحدٍّ للنظام الذي يحتل بلدها مع أعوانه من خونة الوطن، وكأنَّه يريد أن يصنع من بطولتهن معجزة أسطورية. العاني تشغله فكرة الحريَّة، لكنَّه في هذه المسرحية يعرض لنا حياة ثوَّارٍ وَعْيُهمُ الإنساني يذهبُ بهم إلى المثالية. هناك واقع، وهناك وقائع. والعمل المسرحي، وعند عرضه، يُفترض أن يأخذ شكلاً محسوساً، مع ذلك فإنَّ يوسف في هذه المسرحية خلقَ أو منحَ أُمَّ شاكر هيبةً مأساوية؛ فمقتلُ، أَوْ قتلُ ولديْها على يد المُحتل، هو لحظة ولادة لحياة جديدة؛ ثورة؛ حريَّة. كما هو (جريمة) مباحة للمحتل، وهذا ما (صرعَ) يوسف ولمسناه في شخص أُم شاكر وابنتها وجارتها، أن نشعر بأنَّ القتل في هذه الحالة هو إبادة للحياة، وها هي أُمُّ شاكر تقوم بتحدي الموت بدافعٍ غريزي (ثأري)، أنا (الأُم) التي ما بعدها أُم؛ أنا الحياة. وهذه ليست دعوة أو تكريساً للمجتمع الأمومي. طبعاً نلاحظ في المسرحية انطفاء، أو لا صورةَ للأب، ولكنَّها الأم، الرحم، الوطن، الثورة، الضحية/ الضحايا التي تنتفض ضدَّ الجلاَّد/ الجلادين، وأنَّ المسرحية كما ذكرت مسرحية أفكار، وصراع قضايا سياسية. مَنْ يعيد لأم شاكر ولديْها، مَنْ يُعيد كليباً حيَّاً؟ مَنْ المسؤول عن آلامها، وعن الشرِّ الذي يُولِّده المُحتلُّ ليضمن بقاءه وذلك في قتل أبنائه؟ (أُمُّ شاكر) عند يوسف العاني هي أُمُّ العراقيين الذين قضوا اغتيالاً تحت التعذيب في سجون الجلادين، كانوا مستعمرين أَوْ وطنيين. وهو في ذلك وإنْ مارس القسوة، فليرينا قسوة وعنف الجلاد على الضحايا/الناس، وبروح تهكمية، هو يسخر من الجلاد، ينقلب عليه، يقاومه، يُكثر من مقاومته ولا يتركه دون عقاب.

في مسرحيته (الخان) نرى العراق في الخان بكل شرائحه الاجتماعية، بعد أن قمعت بريطانيا انتفاضة (رشيد عالي الكيلاني عام 1945م)، فيثور العراقيون على الوضع؛ ثمَّة حيَّة/أفعى دخلت الخان واختفت، وكل سكَّان الخان صاروا يتوجَّسُون منها خشية أن تلدغهم، بعد أن فشل جاسم وهو (أبو الحيايا) في قتلها وقطع ذيلها فيهرب الوصي. وهذا الكل هو ما يشكِّل أطياف المجتمع العراقي الرافض والمقاوم، فنرى المناضلين الذين يرمز إليهم (منير) طالب الحقوق، كما نرى المرأة (نجمة) بائعة البقول التي تمثِّل الشريحة الدنيا في المجتمع، و(عباوي) الذي يقف إلى جانبها في صراعها مع قوى الشر بعد وفاة زوجها، ولا شكَّ أيضاً هناك (جاسم) الذي يشتغل حمالاً، وهو الرجل البسيط الطيِّب. يقابلهم في الصراع والمكائد: حميد، الجابي مُدلِّس الحسابات، الشاعر والكاتب الانتهازي ملا سلمان، صاحب الخان، صلاح الذي يلعب دوراً خسيساً في التآمر على سكَّان الخان، بعد أن كان تاجراً وطنياً، مأمور الاستهلاك؛ إلى أن تلدغ الأفعى العامل عبَّاس، ويظهر من جديد الوصي، بعد أن كان قد اختفى وهرب ليلة دخلت الأفعى الخان، ولم يستطع جاسم أن يقتلها.

يوسف العاني في مسرحية (الخان وأحوال ذلك الزمان) يكشف عن دور لمحتل الإنجليزي، في قمع وإخماد انتفاضة الكيلاني، حتى لا يطالب الشعب بالاستقلال، فيظهر لنا الروح الثورية للشعب، الذي يريد أن يصنع زمناً بطولياً، ملهاةً يسخر فيها العاني من البطانة السياسية التي تدَّعي الوطنية وتحكم باسم الشعب العراقي، الذي عنده وفرة كبيرة من المآسي المعيشة والمآسي التاريخية، بل مُراكمات وتراكمات منذ حَكَمَها (ابن الثقفي) وإلى الآن. العاني في مسرحية (الخان) يقوم بتوليد وتغذية وجدان المتفرِّج كما القارئ؛ بالحريَّة والسعي إليها، وهو في هذه المسرحية، كما في سائر نصوصه التي جاوزت الــ(50) خمسين مسرحية، يعمل على تقوية وعي الإنسان بتاريخيته، فلا يتحوَّل إلى ألعوبة بيد الفاسدين، مهما كانت مراتبهم وينتزع منهم حريته.

مسرح يوسف العاني، هو مسرح النقد اللاذع، مسرح الحياة، فلا يفترس الإنسان الإنسان باعتباره مخلوقاً عقلانياً يُدرك حريَّته كـ(أنا) فاعلة تصنع وجودها، وليس أنا عدمية تسأل: لماذا أعيش، لماذا أكتب، لماذا أغني، لماذا أفكِّر؟

نال العاني الكثير من الجوائز العربية تكريماً لما قدمه من أعمال مسرحية، ومنها جائزة الشارقة للإبداع المسرحي العربي.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق