دراسات

مفهوم الشخصية في الدراما المعاصرة : ترجمة أحمد عبد الفتاح المصدر / مسرحنا

خلال العشرين سنة الماضية، كان مفهوم الشخصية محل بحث. فالشخصية بالنسبة لكثير من العلماء تمر ببعض الأزمات (عنوان كتاب روبرت أبيرشي Robert Abirachid هو عنوان

فصيح في هذا السياق «أزمة الشخصية في المسرح الحديث La Crise du personage dans le Theatre Moderne، الذي نشر لأول مرة عام 1977 ثم أعيد نشره عام 1994). وبالمثل، كانت كلمة «شخصية Charcter» في قاموس المصطلحات المسرحية في مجلة «دراسات مسرحية Etudes Theatrales «عام 2001 مصحوبة بكلمة «أزمة» بين قوسين. وبالطبع ذهبت اليانور فوش Elinor Fuchs إلى أبعد من ذلك كثيرا وأعلنت موت الشخصية في كتابها «موت الشخصية: رؤى حول المسرح بعد الحداثة The Death of Character after Modernism». وقد بيدو من التهور أو الضرر أن نطرح سؤال ملائمة «الشخصية «. ويوضح البحث الدقيق للموضوع، رغم ذلك، أن الإجابة أكثر تعقيدا مما يمكن أن تقترحه العناوين الدرامية في الأعمال المذكورة.
ودعوني أبدأ بادعاء كير ايلام Keir Elam بأن الدراما هي «أنا أخاطبك أنت هنا والان «. وإذا كان صحيحا بالتأكيد أن مفهوم الشخصية قد تطور إلى حد كبير في السنوات الحالية، لاستنتاج أن المفهوم لم يعد مفيدا في دراسة الأعمال المعاصرة يبدو حكما متسرعا إلى حد ما. وأود أن أقول إنه حتى في أكثر المسرحيات المبتكرة في السنوات العشر الماضية ما زال لمفهوم الشخصية بعض الصلاحية. علاوة علي ذلك، لا يزال من الممكن التحدث عن الشخصية في الأعمال التي يمكن اعتبارها بدرجة ما بعد درامية (كما عرفها هانز – زيس ليمان) أو بعد حداثية (بما في ذلك السمات التي وضعها ليمان: الغموض، والاحتفال بالفن كخيال، والاحتفال بالمسرح كتفاعل، والانقطاع، وعدم التجانس، واللا نصية، وتعدد الشفرات، والهدم)، مع اتخاذ احتياطات معينة. وسوف أحاول أن أوضح أن الشخصية كمفهوم يمكنها أن تستمر حتى لو ألقينا كثير من العناصر التقليدية الأخرى من النافذة. وسوف تقتصر ملاحظاتي علي النصوص المكتوبة خلال العشرين سنة الأخيرة. وبالطبع من الممكن أن ندرس تطور الشخصية من خلال دراسة مختلف عروض الأعمال عبر العصور (كما فعلت فوش في أحد فصول كتابها والذي يحمل عنوان «ابسن ضد البذرة Ibsen against the grain)، ولكن هذه الصورة بعيدة عن هدفنا في هذه الدراسة.
رغم ذلك، يجب أن نلاحظ أن المقاربات التقليدية للشخصية تحتاج إلى التعديل. إذ تؤكد أنواع تحليل بعينها عدم ملاءمتها عند التطبيق علي المسرحيات الحديثة. ويبدو أن هذه هي الحالة بالنسبة للنموذج التفاعلي actantial model المقترح بواسطة جريماس Greimas (الذي يبدو أنه هو نفسه قد استلهم الدراسة التي سوف أذكرها لدواعي سروري، وهي دراسة اتيين سورو Etienne Souriau، والتي تحمل عنوان «مائتي ألف موقف درامي مثير Les deux cent mille situations dramatiques عام 1950). ورغم ذلك، قد يكون مفيدا عند تطبيقه علي النصوص الكلاسيكية أو البرجوازية (طبقا لتعريف الين استون وجورج سافونا في كتابهما «المسرح كنسق دلالة Theater as sign – system”)، ولكن فائدته للنصوص المتطرفة أقل وضوحا. وفي الواقع، يربط النموذج التفاعلي الشخصية بالحدث، ويؤكد علي الطريقة التي تؤثر بها الشخصيات الفردية علي مسار الأحداث. وفكرة قدرة الفرد علي السيطرة علي مصيره قد تقوضت في كثير من الأعمال الدرامية الحالية. فالأسئلة التي تتعلق بالدوافع العامة للشخصيات (الدراما المحملة بالسعي إلى وضع العراقيل، وفقا لكلام كير ايلام)، والتصنيفات مثل الذوات والموضوعات والمعاونين أو الخصوم، هي أسئلة غير ملائمة غالبا. وقد كان هذا صحيحا في مسرحيات بيكيت Beckett ولا يزال صحيحا. فلا يمكن تحليل أغلب الدراما الحديثة في إطار سعي البطل التراجيدي، لأن مفهوم البطل التراجيدي نفسه محل جدال.
بقدر ما تكون نماذج التحليل الأخرى محل اهتمام، يمكن أن نواجه مشكلات مماثلة. فقد أيد فيليب هامون Philippe Hamon التناول السيميولوجي للشخصية الذي أخذ في اعتباره الكثير من الملامح واقترح إبراز الملامح الملائمة في أعمال بعينها (الدور في الحدث ومخزون الشخصيات والمكانة المتعلقة بالتناص والملامح الفردية). ويعمل هذا المنهج جيدا مع الأشكال الأكثر تقليدية ولكن له عيوب في المسرحيات التي تمنح فيها الشخصيات بضعة ملامح طفيفة مميزة أو التي تكون هذه الملامح غير مستقرة. وبالمثل، فان خريطة استون وسافونا المقارنة لتحليل الشخصيات، رغم إبراز الفروق المهمة بين ثلاثة أنواع من المسرحيات، تعتمد علي النصوص المتطرفة والتي هي في الحقيقة غير متطرفة في بنائها للشخصية. فمثلا، تتضمن مسرحية «فتيات القمة Top Girles «ثروة من المعلومات عن عمر الشخصيات، ومكانتهم الاجتماعية والخلفية والبعد النفسي، حتى لو كسرت التقاليد بأساليب أخرى.
وشخصيات المسرحيات التي أود أن أناقشها صعبة التناول. فالمشكلات التي تطرحها يمكن أن تقسّم تقريبا إلى تصنيفات أخرى تتداخل إلى حد ما. وفي بعض الحالات تنشأ صعوباتنا من النقص الشديد في المعلومات المتاحة. وفي مثل هذه الأمثلة، يقدم النص اسما للشخصية وأحيانا عمرها ومكانة أسرتها. وبعكس النصوص البرجوازية، لا يتضح شيء عن ماضي الشخصيات. وهذا أحد ملامح الشخصية في أعمال هارولد بنتر Harold Pinter. إذ إن أي معلومات مقدمة يمكن الاستفسار عنها وغالبا تتم مناقضتها. ومن الصعب تماما أو ربما من المستحيل أن نحدد دوافع الشخصيات. هذه بالطبع كانت هي الحالة في مسرحيات بنتر المبكرة (مثل «حفلة عيد الميلاد «)، ولكن في مسرحياته التالية أصبح ذلك أكثر وضوحا. ففي مسرحية «ضوء القمر Moonlight «(1993) أو «من التراب إلى التراب Ashes to Ashes» (1996)، لم تقدم الشخصيات اعتبارات تناقضية للماضي فقط، بل ان اعتباراتهم للحاضر كانت متشعبة غالبا. وهذا النقص في المعلومات المعول عليها في ذاتها في ما يتعلق بالشخصيات لم تؤكد كثيرا علي تحدي المشاهدين، كما نرى في مسرحيات شكسبير، إذا كان الحدث والحوار مترابطين. والترابط رغم ذلك ليس الملمح المميز لكثير من الدراما المعاصرة (أنظر مقالة توري هارينج سميث حول «اللاواقعية non – realism» في مجلة theater Topics). ومع نهاية السرديات الكبرى وفقا لكتاب فرنسوا ليوتار «حالة ما بعد الحداثة The postmodern Condition» الذي يتم الاستشهاد به في أغلب الأحوال، فان الأعمال غالبا ما تكون ذات نهاية مفتوحة، وتقترح بنية تحبط محاولات القارئ لاستخلاص نتائج.
يستخدم الزمان والمكان، اللذان يمكن أن يساعدانا في تثبيت الشخصية، لتحقيق التأثير المضاد. فمسرحية «ضوء القمر «مثلا مبنية بطريقة تتعلق بتعدد أسباب التشرذم والتشظي. إذ تٌرى مجموعتان من الشخصيات، من المفترض أنهم أعضاء في أسرة واحد، في أماكن منفصلة ولن يتقابلا أبدا. ويمكن دفع الانفصال المكاني إلى أقصى مداه كما في أي مسرحية أخرى لهارولد بنتر مثل «أصوات عائلية «(1981) – وهي مسرحية مكتوبة للإذاعة أصلا – حيث نسمع فيها صوتين (نفترض أنهما أم وابن) يقدمان صياغة مختلفة للأحداث دون أن يواجه كل منهما الآخر مباشرة. وسوف نعود إلى غياب الحوار فيما بعد.
ويمكن أن نضيف إلى التشرذم المكاني التشرذم الزمني. فالاستمرارية مهجورة دائما ونجد في مكانها ألعاب يتطور فيها الحدث بشكل غامض أو يفشل تماما في التطور. في الحالة الأولى. يمكن دراسة مسرحية كاريل تشرشل Caryl Churchil «بعيدا Far Away». فالحبكة تقفز إلى الأمام من الفصل الأول إلى الفصل التالي حتى يكون القارئ / الجمهور، الذي كان في وضع صعب من أجل بناء لشخصيتين موجودين في الفصل الأول ويجب أن ينتقل إلى الفصل الثاني والفصل الثالث مرة أخرى، وهم يتخيلون كيف ولماذا تطورت المواقف. علاوة علي ذلك، يمكن أن نلاحظ كيف بقيت نهاية المسرحية مفتوحة. وفي مكان آخر يمكن أن تعمل أنواع أخرى من التشظي الزمني. ففي الدراما التقليدية، إذا تغير إطار الزمن، فان ذلك يحدث لكل الشخصيات. ورغم ذلك، في مسرحية «ضوء القمر «لا يبدو أن كل الشخصيات تنتمي إلى نفس إطار الزمن. فالأم والأب (بيل وآندي) يبدو أنهما يشأركان في نفس الحاضر مع ابنيهما (جاك وفريد) حتى لو كان حسابهم للأحداث الماضية متناقض. أما ابنتهما برجيت، فهي تبدو من الناحية الأخرى أسيرة انحراف الزمن، المحتفظ به في سن المراهقة، بينما كبر أخويها وانتقلا من البيت. ويمزج بنتر أيضا الزمن في «من التراب إلى التراب». فالشخصيات الرئيسية منطقيا ولدت بعد الحرب إن كان لنا أن نصدق، كما يحدد النص المكتوب، بمعنى أنه الآن وأن هذه الشخصيات في سن الأربعين. ورغم ذلك، تستحضر بعد التجارب التي سردتها رابيكا مواقف تذكرنا بمعسكرات الاعتقال في زمن الحرب: «شاهدته يسير علي الرصيف ويمزق الأطفال من ذراعي أمهاتهم الصارخات «. وحقيقة أن الحوار ينزلق باستمرار إلى السرد يجعل كل محاولات التنظيم الزمني صعبة. وعلي الرغم من أن هذا قد يصيب القراء أو المتلقين بالاضطراب، فإنه لن يمنعهم من تأمل الشخصيات (كما تقترح بينلوب برينتسPenelope Prentice في دراستها الحديثة عن بنتر).
ويتم دفع تخيلات المتلقين إلى أبعد من ذلك في عمل مثل مسرحية كاريل تشرشل «قلب حزين Blue Heart» (1997). إذ تبدأ المسرحية الأولي «رغبة القلب» بموقف بسيط بشكل مخادع يتعلق الشخصيات المسماة التي يبدو أن لديها صلات معروفة. والمشهد مألوف بشكل مطمئن. وهذه الحالة قصيرة الأمد رغم ذلك. فالمسرحية لها بنية أصيلة جدا. فالحوار يبدأ، ويتوقف، ثم يعود مرة أخرى إلى البداية. وفي المرة الثانية يسمح للحوار أن يسمر لفترة أطول قليلا، قبل أن يتوقف مرة أخرى. وعلي الرغم من وجود تنويعات عرضية وملاحظات لا يمكن تكرارها، فيتم استئناف الحوار عدة مرات ويجب إضافة أن التتابعات يجب أن تعاد بنفس الطريقة ونفس الإيماءة.. الخ، أحيانا مع تنوع في السرعة. وبالإضافة إلى أن الشكوك في حياة الشخصيات الماضية هي شكوك في مكانة الحدث الحالي. وصحيح أن هذا النوع من الكتابة الدرامية الشارحة metadramatic writing يبدو أنه يبرز الطبيعة الزائفة للحوار المسرحي وفقدانه الواضح للتلقائية، ولكنه لا يمنع المشاهدين بشكل تناقضي من محاولة تخيل العالم الخيالي الذي يمكن أن تٌفسر فيه مثل هذه التبادلات الحوارية. وتأثير هذه البنية، مادامت الشخصيات هي المعنية، هو إزاحة انتباه المشاهدين بعيدا عن الكلمات التي تقال حرفيا، بحيث يمكن بعد فترة تقديم الحوار بدون الجزء الأول أو الأخير منه. وهنا نقترب بوضوح مما اصطلح ليمان علي تسميته «جماليات التكرار Aesthetic of repetition» مع إفساد القصة وتفكيكها، ومعنى وكلية الشكل. إذ يصبح المتلقون مشاركين ويكتبون الحوار بواسطة كل من تذكر ما قيل فعلا وتوقع ما سوف يقال.
ومع ذلك، فقد يستدعي الأمر أكثر من ذلك لمنع المشاهدين من محاولة إيجاد معنى في حقيقة أن الشخصيات تكرر دائما نفس الملاحظات، ناهيك بحقيقة أن عناصر الحوار القليلة التي لم تتكرر سوف تبرز، وكذلك نفس عدد الأحداث التي سوف تتباين مع الفعاليات الدنيوية المتكررة إلى ما لانهاية. فمن ناحية، يمكننا أن نجادل بأن نصا مثل «رغبة القلب» يؤسس تحديا للوضع المركزي للنص في الدراما، كما برهن ليمان في كتابه «المسرح بعد الدرامي Postdramatic Theater»، ولكن من خلال مناورته بتوقعات المشاهدين الضارة، يستدعي الحوار الانتباه إلى ذاته. وافتقاد التطور في الحدث الدرامي نفسه، بدلا من هدم مصداقية الشخصيات، قد يخدم فعلا في تطوير بعض عناصر إعداد الشخصيات الدقيقة. فتكرار التافه والمبتذل يجعله غير مألوف ويجعل الأحداث التناقضية في المسرحية أكثر مصداقية: حشد الأطفال الذين يندفعون إلى داخل وخارج خشبة المسرح في صفحة 15، ووصول اثنين من القتلة الذين يقتلون الجميع في صفحة 17 ودخول الطائر الذي يبلغ طوله عشرة أقدام في صفحة 23. كل من هذه الأحداث يمكن أن يرى باعتباره تهويمات لشخصية أو أخرى من الشخصيات الثلاث المحبوسين في نقاشهم الذي لن يصل إلى أي مكان. ويمكن تفسير نهاية المسرحية في الواقع باعتبارها نوعا انقلاب الموقف الدرامي التقليدي: العودة إلى الوطن. إذ يتم بناء المسرحية بأكملها، ولو كان ذلك في نوبات وبدايات، وحتى عودة الابنة «سوزي» إلى بيت أسرتها. فهي تظهر في اللحظات الأخيرة، وتقول جملتين قصيرتين، لكي يتوقف الحدث فقط ويعود إلى البداية مرة أخرى للملاحظتين الأخيرتين اللتين سمعناهما ثمان مرات. ولا نستطيع أن نتأكد كيف نفسر غياب تطور الحدث، ولكن هذا لن يوقفنا عن تأمل هذه الأسرة وعلاقاتها.
ويمكن أن توجد تجربة مماثلة في قراءة العمل المصاحب «غلاية زرقاء Blue Kettle». إذ تحدث مقاطعة لحدث تافه يتعلق بشخصيات تافهة بتدخل منتظم في حوار المسرحية عن شروط اللون الأزرق والغلاية باعتباره إزاحة للغة العادية (الأفعال والأسماء والصفات.. الخ). ويصبح هذا التدخل عاديا شيئا فشيئا حتى يتحلل الحوار إلى تبادل أصوات بلا معنى. وهنا مرة أخري، من المستبعد أن يتخلي الجمهور عن محاولات تفسير سلوك الشخصيات حتى لو لم يقدم النص سوى القليل من الإيضاحات.
ومن الناحية الأخرى، فان النص الذي يقدم «أنا أخاطبك أنت «في مكان وزمان معين ربما لا يكون بالضرورة أسهل في التفسير في إطار الشخصية. ففي مسرحيو مثل «معركة ايسونزو الثانية عشرة The Twelfth Battle of Isonzo» تأليف هوارد باركر «، ترتبط شخصيتان معلومتان بنوع من التفاعل اللفظي يذكرنا بالدراما الأكثر تقليدية. علاوة علي ذلك، تستغل المسرحية بوضوح نسق الاتصال المزدوج، ومحور المشاهد الداخلية Intra – scenic axis الذي يكون مهما مثل «محور الفرجة theatron axis «، وفقا لمصطلحات ليمان. فمحور الاتصال في المشاهد الداخلية هو الأكثر تأثيرا هنا لأننا نعرف أن الشخصيات عمياء. ويستمد كثير من التأثير المسرحي للنص من حقيقة أن هناك هذا التناقض بين ادراك المشاهد وإدراك الشخصية. وعلي من أننا يمكن أن نجادل بأن باركر، بخلاف كل كتاب الدراما، يستغل العناصر البصرية واللا شفهية في المسرح، فلا يمكننا أن نقول إن مسرحياته تهدد بأي حال أسبقية النص. فقد وصف باركر بأنه كاتب درامي حداثي، فهل يمكن اعتباره كاتبا بعد درامي؟. ولكن إجابة هذا السؤال ليس هدفنا في هذه الدراسة. ورغم ذلك، يمكنني أن أجادل بأن شخصياته تطرح مشكلات تفسير نفس الطبيعة مثل أولئك الكتاب الذين تنتمي أعمالهم إلى هذين الصنفين.
أذا ركزنا حتى الآن علي الشخصيات الملغزة والغامضة وغير المستقرة، التي يصعب تحديدها، فإنه لا يمكن فعلا إنكار مكانتها كشخصيات حتى لو بذل القارئ / المتلقي جهدا لرسم نوع من الصورة لهذه الشخصية. ورغم ذلك، في بعض الأمثلة، فليست الكلمات المنطوقة هي التي تصيبنا بالاضطراب والتشويش باعتبار أنها الكلمات التي تنطقها الشخصية. فلا يكفي أن نسأل عما إذا كانت الكلمات المنطوقة صحيحة، ويعول عليها، ومترابطة..الخ. بل يجب أن نسأل الآن عن طبيعة هذا الخطاب.
أولا، يمكننا أن نلاحظ الحضور المتزايد لنصوص درامية في نصوص أخرى. وهذا التناص هو ملمح نموذجي للكتابة بعد الحداثية ويمكن أن يتخذ أشكالا كثيرة من الألعاب الهزلية نوعا ما التي حاول أن يقدمها توم ستوبرد Tom Stoppard في مسرحيته «البهلوانات Travesties”، والتي تقتبس بطريقة واضحة وصريحة، وصولا إلى اقتباسات سارة كين Sarah Kane. فالتناص يزيح بشكل متعمد سؤال من وراء الكلمات المنسوبة إلى الشخصية، بتقديم متحدثين آخرين، وسياقات أو مصادر. وقد يرتبط هذا بصورة خطاب آخر في الدراما المعاصرة: طبيعته الاستبطانية. فبدلا من المساهمة في خلق عالم خيالي، فإنه يبدو أكثر اهتماما بتسليط الضوء علي الكيفية التي يعمل بها العالم الخيالي. وقد يتخذ هذا في بعض الحالات شكل الدراما الشارحة، كما هي الحالة فعلا في مسرح بيرانديللو، ولكن هناك تنويعات كثيرة علي هذا. ولعل أحد أشهر الأمثلة التي نعرفها هي، بالطبع، مسرحية مارتن كريمب Martin Crimp «محاولات علي حياتها Attempts on Her Life «. فعدد الإشارات – المباشرة وغير المباشرة – إلى المكانة الخيالية للأحداث والشخصية الرئيسية «آن Anne «(أو آني Annie أو آنيا Anya)، مثيرة للإعجاب، بداية بالطريقة الطريقة التي ينقسم بها النص إلى سيناريوهات بدلا من مشاهد. إذ تقترح بنية المسرحية نفسها أن «آني» ليست هي الشخصية التقليدية التي نعرفها، بل هي بناء مبتكر بواسطة الكتاب السينمائيين، والمنتجين، ووكلاء الدعاية.. الخ. ورغم ذلك، يبدو من قبيل التسطيح نوعا ما أن ترى المسرحية فقط في إطار الطريقة التي تعالجها بها وسائل الاتصال، حتى لو كانت هناك إشارات إلى الكاميرا وخلق الشخصية. أولا، يجب ملاحظة التنويع المحض في أساليب الخطاب. ثانيا، السيناريوهات المختلفة ليس مفككة تماما، فموضوع الإرهاب والأسطح الوحشية في عدد منها. وعلي الرغم من أننا يمكن أن نتوقع أن يكون مفهوم الشخصية غير ملائم تماما في نص يفكك منهجيا كل صورة نحاول أن نجمعها عن «آن «الغامضة، فان مهارات خلق شخصيتنا في حالة استخدام دائم. فكل سيناريو في الواقع يؤدي إلى التنبؤ، ليس فقط فيا يتعلق بـ«آن»، بل أيضا في ما يتعلق بالشخصيات التي تذكرها. وعلى الرغم من حقيقة أن هويتها تبدو متشظية بشكل متزايد وعزيزة المنال، فاننا لن نتوقف أبدا عن أن نسأل أنفسنا عن المتكلمين المجهولين الذين يتكلمون عنها. وفي كثير من الأمثلة، من الممكن تماما، ان لن نستطع تحديدهم بدقة، فلنمنحهم علي الأقل نوعا من الوظيفة الاجتماعية (مخرجي سينما، وكتاب سيناريو، ومحققين من الشرطة.. الخ). وعلي الرغم من أن هناك سيناريوهات هزلية وفكاهية، فان مسألة هوية «آني «تتخذ إيحاءات شيطانية. يشير بعضها إلى الانتحار، والقتل، والتعذيب.. الخ. والهوية هنا يجب تأملها علي مستويين. فالمشاهدين لا يتساءلون فقط عن هوية «آني»، بل يتساءلون أيضا عن هويات الشخصيات التي تتحدث عنها. ويمكن أن يٌرى هذا المستوى المزدوج للهوية في الطريقة التي يستخدم بها النص أسلوب الحوار داخل الحوار، باستخدام شخصية تقتبس كلمات من الآخرين دون أن يكون أي منهما محددا ومعروفا:
المطار. اصحب طفلي إلى المطار. لا داعي لأن تصرخ في وجهي. أنا امرأة متعلمة – لست مجرد فلاحة جاءت من الحقل إلى المدينة لكي أنظف حمامات الأغنياء. ومعي جوز سفر، وحساب في البنك بالدولار وأصحب طفلي إلى المطر.
غريب!
والآن من فضلك دعني أمر. ولكن أجل، مثلما قلت، من الغريب أنه لا يوجد حتى تراه. طفل؟ أي طفل؟
هذا يتلاءم مع ملاحظات ليمان عن السرد في المسرح بعد الدرامي: «مبدأ السرد ملمح مهم للمسرح بعد الدرامي، إذ يصبح المسرح مكانا لفعل السرد. وغالبا ما نشعر أننا لا نشاهد تمثيلا مشهديا بل سرد للمسرحية المقدمة.
كما سبق أن قلنا، تركز الدراما التقليدية علي «هنا والآن»، وتقدم الحوار باعتباره تفاعل بين الشخصيات. وفي أغلب الدراما المعاصرة لم تعد تلك هي الحالة منهجيا. فالحوار يمتزج بالسرد، والتعليق، وأجزاء متكسرة من أصول مختلفة (مثل الرسائل المسجلة علي التليفون في مسرحية «محاولات”)، والمونولوج. وبعكس النصوص التقليدية، لا تشبه الدراما المعاصرة المونولوجات دائما، لأنه يمكن أن تكون هناك شخصيات أخرى حاضرة ويمكن أن تبدو مشاركة في الحوار. وتكشف الدراسة الواعية، رغم ذلك، أن الشخصية لا تتواصل فعلا مع الشخصية الأخرى. وقد ذكر ليمان كلية حضور المونوجات في بعض النصوص أو ملامح كورالية في البعض الآخر. ونص مثل «حنين Crave» تأليف سارة كين يلاءم هذا التصنيف. إذ يتم اختزال هوية المتكلمين الأربعة إلى حروف الأبجدية (أ، ب، ج، م)، والذي هو ذاته لن يختلط علي القارئ إذا كانت الشخصيات الأربع متمايزة. وغياب الأسماء علي خشبة المسرح لا يشير في ذاته إلى صعوبات علي الإطلاق.، ورغم ذلك تذهب مسرحية «حنين «إلى أبعد من مجرد عدم إعطاء اسم وسن ونوع ومكانة اجتماعية للمتكلمين. المثير هنا هو أن النماذج الأربعة لا يمنحون أي هوية. ويمكن استخدام صفات مميزة أحيانا لتمييز متكلم عن الآخر (ب يدخن ويشرب، م يعاني من خوف من الشيخوخة، ج يشير إلى الأم، أ يميز نفسه بأنه يستغل الأطفال جنسيا)، ولكن من الصعب أن نفسر هذه الملامح. في النهاية، إن الإعلان الذاتي عن الاستغلال الجنسي للأطفال هو الذي يمنح أكثر الكلمات المؤثرة لكي يتحدث عن الحب. وأحيانا يبدون منغمسين في نوع من الحوار (تجاب الأسئلة، ويتنازعون علي الملاحظات) ولكن هذا ليس منهجيا. وأحيانا يكون لدينا انطباع بأنهم لا يتوجهون إلى بعضهم البعض، بل يتوجهون إلى المشاهدين، كنوع من الجوقة، ويبدو الصوت والإيقاع ومادية الكلمات مهمين مثل معناهم علي الأقل. ويتم بناء كثير من المقاطع بهذه الطريقة التي توحي بأن هوية واحدة هي التي انقسمت إلى أربعة أصوات، كل منها يقدم مساهمة ويردد أصداء الصوت السابق. في أحيان أخرى، يبدأ الحوار بين نموذجين من النماذج الأربعة مثلا، ولكن تتم مقاطعته فورا عندما نعتقد أننا علي حافة الاختراق، عندما نعتقد أننا علي وشك تحديد هوية أو علاقة معينة.
والحوار، الذي من المتوقع أن يساعد المشاهدين لفهم الشخصية بشكل أفضل، يفعل العكس من ذلك غالبا، من خلال إبراز الشكوك المتعلقة بعلاقة المتكلم بالكلمات المنطوقة. ويمثل النص المنسوب إلى الشخصية بشكل تقليدي كلام الشخصية (أو أفكارها في مناجاة) في لحظة معينة في الدراما. فالشخصية والمتكلم هما شخص واحد وهذه الوحدة تتقوى عادة بواسطة حضور ممثل واحد لكل شخصية. وهذه ليست هي الحالة دائما في الدراما الحديثة حيث نستطيع أن نلاحظ تمازجات أخرى تعمل، ونستطيع أن نرى في مسرحية سارة كين «ذهان 4.48» حيث وجود الشخصية ربما هو الأكثر تطرفا علي نحو بعد درامي في كل المسرحيات التي ذكرناها حتى الآن. ولأن لدي الآن فرصة الملاحظة، فان هذا النص يتضمن القليل من المؤشرات في ما يتعلق للكيفية التي يمكن بها توزيع النص بين المتكلمين. فالمقاطع العرضية تشبه الحوار، ولكن كثير منها ليس كذلك. وفي الأداء، يمكن أن ينطق النص ممثل واحد أو اثنين أو عدة ممثلين / ممثلات، حاضرين بدنيا أو غير حاضرين. فالنص ينزلق إلى الخلف والأمام بين الكلمات المنطوقة هنا والان، والانتماء السردي إلى ماض بعيد. وكما في مسرحية «حنين»، فان الكلمات نفسها أقل أهمية من الأصوات (أو الصمت)، والإيقاعات والنماذج والصور. إذ يصبح من المستحيل ربط المتكلمين بالشخصيات. وقد أكدت الكتابات النقدية عن عرضها الأول في مسرح رويال كورت هذه الصورة:
“نفذ الممثلون النص بدون تعبير، إذ إنتشر شعور بالخدر السطحي في أغلب المسرحية، رغم أننا ربما نحتج بأنها كانت أفضل طريقة لتقديم النص من خلال هذا النمط من الكلام. وأدي الممثلون أجزاء أخرى من النص – ولا سيما كثير من المونولوجات الممتدة – بالشخصيات، مع عمق كبير في الكثافة العاطفية. فنماذج الكلام في النص كانت مختلفة: أحيانا ينطق الممثلين الثلاثة الجملة في نفس الوقت، وفي أحيان أخرى ينهي كل منهم جملة الآخر، ويبني الجمل معا، ويجيبون علي أسئلة كل منهم الآخر”
لا يمنح النص للممثلين دورا لكي يؤدوه، بل يزودهم بوسائل اتصال أخرى مع الجمهور. فهل نتخلى إذن عن محاولة العثور علي عالم خيالي في النص؟. رغم أننا لا نستطيع أن نميز شخصيات محددة في عالم درامي متماسك، يمكنني أن أجادل بأن المتلقين لن يروق لهم المؤدون بسهولة عندما يشاهدوا هذه المسرحية. فالنص يقدم لنا شظايا: أجزاء من الزمن والمكان، والماضي والحاضر، وأجزاء من التجربة والإدراك والعاطفة التي تنشأ في عالم ما وراء خشبة المسرح. وعندما نقرأ الملحوظات الختامية أو نسمعها لا يجب أن تقودنا المسرحانية الواضحة لضمير المتكلم وضمير المخاطب المضمر، المعززين بالإشارات إلى الستائر، لكي ننسى أن المسرحية منحتنا لمحات سريعة من اليأس الحقيقي. وقراءة السطور الختامية في المسرحية باعتبارها توجه من المؤدي إلى المشاهد يدم هذ اليأس.
نوع الكتابة الذي ندرسه، رغم أنه يلجا إلى أساليب ما بعد الحداثة، فلا يقودنا فعلا إلى معنى الابتهاج أو الاحتفال. ولقد تم اختيار جماليات ما بعد الحداثة لأنها مؤثرة في استحضار الطبيعة المتكسرة للتجربة المعاصرة. في الواقع، بعيدا عن رفض المفهوم، تبدو المسرحيات مجهزة لخلق الشخصية، بتناولها بشكل غامض وغير مباشر، بالانفصال عن أفكار الترابط التقليدية. فعلي الرغم من أن أغلب الدراما المعاصرة إيهامية ومتشظية، وليست متأصلة في الزمان أو المكان، أو تحت سيطرة ممثل واحد أو صيغة خطاب واحدة، فان هذا يعزز بشكل تناقضي صلاحية الشخصية فضلا عن أنه يهدمها. وتمأشيا مع عدم الثقة في السرديات الكبرى، لم يعد المشاهدون مدعوين لتحديد شخصية مبنية فعلا، ولكن متوقع منهم أن يشاركوا في عملية البناء. ولذلك، يمكننا أن نختار الموافقة مع جان – ماري ديمييه Jean – Marie Diemme الذي كتب في مجلة «دراسات مسرحية «يقول «الشخصية ليست في حالة أزمة، بل هناك اكتشاف مستمر لما تعنيه الشخصية فعلا.
– – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – – –
سوزان بلاتييه تعمل أستاذا للأدب الإنجليزي في جامعة جرينوبل، وقدمت الكثير من الدراسات حول كتاب المسرح الإنجليزي والأميركي مثل كاريل تشرشل – سارة كين – سام شبيرد.
وقد نشرت هذه الدراسة كتاب يحمل عنوان «Drama and / after Postmodernism «إعداد: كريستوف هينك – مارتن ميديك عام 2006.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

الخشبة

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق