نصوص

مونودراما بعد الطوفان : تاليف عباس الحربي

المنظر : ساحل بحر؛خراب ؛حبال ؛بقايا جذوع ؛قمصان عالقه ؛ حيث نهاية الطوفان  نرى عفوان يجرُّ عربته المحملة بما تبقى من داره مع  جثة شخص يشبهه بكل شيء وهو ينادي السفينه المغادره

عفوان :

يا فَاتِحُ الْمَاءِ فِي صَدْرِ الْخَشَبِ أنا هنا ، هَلْ تَسْمَعُنِي؟عَلَى السَّفِينَةِ حَمَلْتُ الْخَلَائِقَ كُلّهَا، من كل زوجين اثنين.إلاأنا، أعتلى صاحبي ،وتركني ألوّحُ بقميصي عند حافةِ الدنيا ، هل يسمعُني أحد، يا قائدَ الدفةِ؟أنتم أيها الراكبون .أنا إبنكُم عفوان

 الذي ماباتَ في قُفتهِ رغيفٌ وجارهُ جائع ، لما تَركتمُوني وحيداأسنُدُ حائطاً مُندىً برائحةِ عَرقِكُم وبولِكُم ودمِكُم معا ، أدركوني، الطوفانُ يعضُمؤخِرةَحصاني ، تساقطت كلُ دروعي واقلاميَ  في قاع التيه ، رحيلكُم  يمرُقُ من ثقوبِ كياني كسهامِ المنايا ،التفتوا إلي ، أنا فارسُكُم  الذي شابَ شعرُ صدرهِ تحتَ صكصكةِالدروع ، حين انحنى البابُ للريحِ ، أنا الذي أفنيتُ عُمري أوقظُالعيدَ من نومهِلتجف على لحيتي دموعُ اليتامى ، لم تركتموني وحيداً  منحسراً  ككبشٍ  في زريبةِ ذئاب ، انظروا إلى  ثقوبِ قميصيَ  جيدا ، ليس مقدوداً من دُبرٍهذا الذي ترونه ، إنهاآثارأقدامِكُم  وانتم ترتقون ظهريَ لتركبوا إلى الخلاص  ، دفعتُ بكم واحداً واحداًإلى ظهر السفينةوأنا اصرخ

اركبوا قبل أن يزعَقَ فيكم الموت ، وتطالُ رؤوسكم بأمواجِ الطوفان ، فليس  من مُخلصٍ على هذه الأرضولا يُؤويكم  جبل(ياهلي ) فلا علوَغيرَ وجهِ الله  ، أُرموا لي الحبلَلأتسلّقَإلىأحضانِكُمأرجوكم لمتتركوني  وحيداًألعقُ مُخاط الأرضِالموحشةَ دونكم ، كلُ ماحولي مظلمٌباهت ، لا أحدَ يمرُ بي لأدركَ معناي ، سعاد ، هل تسمعينَني ، أنا عفوان مدي يدَك ،إني اسقط من صهوةِ الزمان إلى المجهول ،أيرضيكِأن يصبحَ الفارسُ الذي اخترتِهأخرساً لا لسانَ آمنٌفي فمهِ يحدد له ملامح الألفاظ وحيداًأتهجى طريقي  ، كئيبٌ منكسرٌذليلٌأنا، ليس من حولي غيرَ قمرٍ أصفرٍ يأكلُ غيمةً سمينةً، لا احدَأشكوهوحدتي إلا هذهالجُثة  التي غابت عنها الملامح ، جثةٌمثلي لم تذُقإلاحامضَ الدمعِأجرُها كصخرةِ مذنبٍ ماتَ شاهدُهُ الوحيد ، تطاردُني عيناهُوكأنه يعرفُني منذُأولِ مَعناي ، انهُ  يبتلعُ الهواءَ من حولي  فاختنقُ كُلَما نظرتُإليه، يتيمٌ هو المكانُ الذي يجمعُنا ، ليس من احدٍعلى الحافةِ سِوانا ، ميتٌ ونصفُ حي ،أيها الغريقُاجبني .هل تركَكَ اهلُك وحيداً مثلي  وركبوا الفُلك ، هل كانت لك سُعادٌ مثل سعادي ؟لا أظنفحبيبتي ليست كسائرِ النساء ،إنهاامرأةٌيشحذُ القمرُ من وجنتيها حضورَهُ، إذا ما فتحتْ لدارها نافذة ، من أسمالِها تبني العصافيرُأعشاشَها لتبيضَغناءًوفرحاً يفقس افراحاً ، لم ترمُقني بطارفِ عينك ، الم تعشق من قبلُ، اه لوكنتَتعرفُ للعشقَ معنىًلشعرتَبمرارةِ الفِراق  كُلهُم  رَكِبوا ، سعاد وابقارٌمبتسمةٌوببغاواتٌترددُآخرَ الاستغاثاتِ ، حتى الثعابينُ طوت شرهَا ونامت بين فروِالأرانب.مشاعرُكَ بليدةٌ تسرِقُ مني توهُجي . اشعُرُإنَعينيكَ تَدلُقانَ عتابهُما على جسدي كزيتٍ باردٍأتظنإنيأنا السببُ في بقائِنا هنا؟ إذنلمتعاتبني بنظراتِك ؟

قل شيئاً، تحرك ؟

أمإن الموتَ  لديكَ فرصَةٌ للخلاص ، ما الذي سيخلفُهُ موتُك غيرَ التأسي ، كان هناك ماراً خلَفتهُأمه وحفرت  له قبراًعند حافةِ الطوفان  ، هزيمةٌ ،ليست ميتةُبطلٍ هذه  ، لأنك لم تُمسكَبلحظةِأمل لو كنتَ طموحاً لعضتْ اسنانُكَ على الحياةِ وبقيَجسدُكَ يتقافزُ كالسمكةِ على ساحلِ النهر .

أرأيتَسمكةً تموتُ ذاتَ يوم ، نعم مؤكدٌ انكَ رايتَها من اجلِ الشِواء ، للالتهامِ فقط  ، لم تتمعن في المسافةِ بين حياتِها وموتِها ، نعم يتوقفُ جسدُها لكن  شعاعَ الشمسِ يخرجُ من عينيها ببطئٍومانحن غيرذلك البطئ، غير تلك المسافةُ بين الموتِ والحياة . تمرُ الحياةُ  في ذاكرتنا شريطاً مشوشاًيحمل الأمانيَ التي لم نقضمها بعد يحمل خوذاً مثقوبةً تتدحرجُ من على رؤؤسِ المحاربين ، لتصبح صحونَا لا يبيتُ فيها حساءُ يتيم ، هل يوجد في ذاكرتكَ غير الحروبِ واليقينِ بانَالموتَ قبلَ اوانهِ هزيمة ، نعم نحن مهزومون  ياصاح ، قل شيئاً لمَ هذا الصمت  ؟كنتُأظنُ انكَ  ستنفجرُ من الضحِك وأنتَ تسمعُ صراخَ الشجعانِ والجبناءِ معاً في إناءٍ واحد ، إناء الخوفِ من الطوفان ، لا أخفيكَأني خائفٌأيضاً لكني  مرتابٌ من وجودِك معي أكثر ، من أنت ؟متى أتيت ؟

آلاف الجثثِ خلفَها الطوفانُ من حوليولم آبهْبواحدة

إلاأنت، لماذا ؟ لستُ ادري تُربكُني كُلما حدقتُ فيك. هل تنظر أنتإليّ بالمقابل ؟نعم اشعرُ انكَ تستغلُ التفاتتي  عنك وتبتسمُ ابتسامةً غير بريئة (يدير ظهره )ها أنا لا أراك، اضحك كما تشاءُ مني اشعر ان شفتيكَالمغسولتين بالصفرةِ وانفُك الأجدعيهزئان مني .أما عيناك فبياضهُما يمتد بعيداًوكأنهُيتضامنُمع الآخرين  ضدي ، ما الذي ورطني بك وأنت كتلةٌ من الظلام  تعطلُ خطواتي، لو كنت ذا نفعٍ  لساعدتني علىاللحاقِبسعاد ، اتظن أني قادر على السباحة كي الحق بها ..ها ..أفنيتُ عمري وانا اصنعُ من كيانها تاجاً  لراسي لم ارثهُ من احد ، رهنتُ حتى رقبتي لمواسم حبِها .كم من العِصي تكسرت على خاطري. ولم اخبرحتى الهواء باني أحبها؛إلىأن جاء مُغنٍّ غجري أبله.تلصصَ على أخبارِ العشقِ في القرية.فلصقَ اسمينا على كل آذانِأهلِ الحي (عفوان يود سعاد والربابة تغني ياليلي ياعين)فضحنا فضحهُ الله ؛صحيحٌ كنت فرِحا لهذا .لكني اعلم أنالأعرافَ تحمُلها رقابُ القُبراتُ فوق كل بيت من بيوتِ القرية.الم يجد عاشقينِ غيرنا هذا المجنون؟.لكنه غجري لا عتابَعليه؛حظي هذا الذي مدَ لسانهُ متراً من الذراع الرخيص ليقلقَ دربي .لقد   تفشى خبرُ عشقِنا  مثل نارٍ تلوك حقلَ برسيم .كيف لا يتفشى واحجارُ الغجرِ لها  في كل مكانٍ رنة ؛والدفوفُ لا تفارق اعقابَ نِسائهم .ومن من الناس  لا تستهويه الأخبارُ المخبوءة؛ والمستورة؛ووشوشة الاصداف  .وصل الخبر الى أخيها الذي يسمى (الحوم)انه لا يرحم . حين يركب حصانه تخط قدماه على الارضِ سكة.لا اعرف باي الةٍ  جارحةٍ خلف على خدها اثرا  ؛شب في ثيابي الحرائق ؛لماذا يا أخي.لم يخلق مثل هذا الوجه  للضرب ، انه فسحةُ  الجمال الوحيدة الذييلهمني القولُ والامل..لم يكن من حقي أنأتدخلُ بينها وبينِه.وأنت تعرف ذلك ؛فأي كلامٌ مني  يعني نهايتُنا ؛يذبحها باسم الشرف اعرف هذا .صارَ لابد من حلٍ سريع .رأيتها حين جاءت لامي باكيةً شاكيةً لعبةُ الصغارِ التي سمعها أخيهاالحوم ؛وهم يسمون العريس عفوان والعروسة سعاد ؛مرددين اغنيةَ الغجر؛ فجنَالرجلُ  وضربها ضرباً موجِع .كنت اسمع صراخَها  وأنا خلفَبابِ داري ؛أعض على مقبضِ خنجري لا حول لي  ولا قوة ؛لقد تحملتُمنه الكثير ضرباً وتوبيخاً؛حتى سارعت أمي و اشترت  كل الحلوى من العطار ؛وراحت  ترميها على الصبيةِ في الأزقة والباحات ؛ مقابلَ سكوتهِم عن ذكرِ اسمِ سعاد في لُعبتهم ؛ وما زاد الطينَ بلة؛صار الذي لم يحصل على حلوى من الحي المجاور؛يأتيأمامَ دار أمي ويغني ذات الموال .؛تعبتْأمي من هذا فمسكت العصى التي تهش بها بقرتنا الوحيدة؛ملوحة بها أمامي؛وهي  تعاتبني بمرارة ماتعودتهامن قبل

لما سببت كل هذا لابنة الجيران يا ولدي ؛نحن أناس مسالمون لا نرضى بفضيحة . الشرف غال ياولدي .ماربيتك على مثل هذا .أخوها لاينام ليله وكان الخنازير تقرط بمخاطها قمل راسه.اخشى ان ينالها  منه مكروهتندم عليه ياعفوان.

: صدقيني ياامي كنت أخبّئ هواها عن كل صحبي.حتى عنكأنت.لكن عيوننا فضحت الأمر.ابتسامتها لي وهي تحمل جرة الماء عائدة إلى دارها فضحت الأمر؛تجمعنا في مناسبة  ماوالصبايا يحيطن بها ؛وهي ترد خمارها على وجهها مدارية فرحها فضحنا. ثم جاء الغجر ؛ونزعوا القشرة من على البيضة.وأنتِ تعرفين عيون الناس تؤوّل حتى شربت الماء بين اثنين .انا مستعد للزواج منها ارجوك يا أمي تدبري الأمر؛ لا أتحمل مزيدا من الأذى لها .اعرف أن بيتنا صغير ولا نملك غير بقرة واحدة.لكنا نملك نوايا طيبة.

:النواياوحدها لاتكفي لبناء بيت ياعفوان .

: قل لي أنت؛ماذا افعل والتجارمن حولنا  يلتهمون الارانبوالجزرمعا ؟ كيف اتدبر الأمر قبل فوات الأوان ؛.حفرت الطين بأصابعي لأبني  لها بيتا . تمرغت بالماء والتراب كأني عجل زلقته أمه بيوم ممطر وغادرت . صار هوائي وغذائي الطين ؛حتى ضاقت مني  سرة الارض  .انطق أيها الطين .الم نخلق جميعا منك ؟أذن  لماذا يوزع هذا التعدد فينا ثيابه الملونة؛حتى أصبحنا سادة وعبيد؛ لا احد يجيب ؛وحدي ألوك الطين بعظام الأموات من اجل سعاد..آه يا حبيبتي  لو تعرفين أن كل ماهو باهض الثمن تنقصه البراءة؛لن استطيع التحايل والسرقة لجمع المال ؛لا املك غير الطين ابنيه لك بيتا آمنا. ستدخلين  إليه بقدمك اليمنى كي تباركنا السماء. ساذبح لك اكبر العجول حتى تتخم الصحون بالفرح .والدفوف بالرقص .غنوا جميعا لبيت سعاد وعفوان (آه ياليل ). افرح أنت معي أيها الميت فليلة مثل هذه لا تتكرر بعمرك ..عمرك؟بل بأعمارنانحن .المصيبة كلما تقدمنا خطوة كثر كلام الناس ؛متى يأتي لها  بالذهب ؛لم يقرؤوا الفاتحة بعد ؛ربما التقيا عند النهردون علم احد ؛النميمة بكل أشكالها.طبعا لماذا لا يغضب الله مناويجيء بالطوفان ؛   لو اكتنز كل واحد منا قليلا من  الرحمة  في قلبه ؛ما حصل هذا.

حتى الذي يباركني يهمس بأذني كلاما لا اعرف معناه ويغادرني ؛ياناس هي ليست أول من تحب وأنا لست سوى خيط من عباءة قيس .لا احد يريد أن يفهمني ؛حتى اقترب مني كهل وقور وأنا جالس اقلب حصى دنياي.

 ربت على كتفي وهمس بأذني.ياولدي

العشق  هنا معيبللمرأة.

لذلك كتب عليها وحدها من تتحمل  شروط بقاء الحياة بلا خطيئة.فاحزمامرك واحمِ صاحبتك  وتزوج وغادرني كأنه طيف صالح .هل أنت متأسٍ  لحكايتنا أيها الميت .

آه لوعرفت سعاد لغادرت كل أوجاعك السرمدية

 مسكينة سعاد ليس لها غيري تشكيه مظلمتها .

لم تكن تجيد الكتابة ؛لكنها ترسل إلي كل يوم مكتوبا ؛يحتار الحكماء بقراءة طلاسمه ؛هنا في سروالي كل هذه الرسائل (يفتش لم يجد شيئا ).أظنها بسروالك فهو شبيه بما ارتدي .(يخرج من جيب الجثة رسالة وهي عبارة عن ورقة بيضاء فيها ثقوب عديدة من اثر نار )

هل رأيت يوما رسالة كهذه .؟ ولكن كيف أصبحت في جيبك وهي تخصني  ؟نعم التحمنا ببعض فوق أمواج الطوفان  وكدنا نموت سويا ؛فهل يجوز لنا هذا الاشتراك بلعبة المصيرايضا .؟ أمر مضحك أليس كذلك ؟.لكني مطمئن  انه لا احد يفهم رسائل سعاد غيري .كانت تقضي الليل وهي تثقب هذه الورقة بالجمر طريقة للتعبيرعن مشاعرها . لم تخطر على بال حتى السومريين أنفسهم. انظرالى هذه الثقوب لابد انها كانت تقصدهنا كلاما جميلا ؛هذا الثقب  مثلا يقول ؛.سأشد على يديك حتى لو أحالني الزمان نثار دقيق في هبوب  ؛هل قرأتَ أجمل من هذاقبل أن تموت ؟وهذا الثقب كأنه يقول ..إياكأن تترك رغيفنا يبيت .فسيأكله العفن .أنها تحثني على ان اكون اول من يطرق دار اهلها للزواج .نعم اشعر بهذه الثقوب تخترق بدني كمصلوب اطلقت عليه النبال .فذهبت مهرولا الى كبير القوم لأخبره برغبتي

 ياعماه أريد الزواج من جارتي سعاد .لكنه رد علي ببرود جعل عباءتي اثقلعلي من ثور أضحية

أتظن ياولدي انك وحدك من يطلب يد سعاد.خلفك طابور من الفرسان كلهم يرغب بها .

لم يبقَ اماميالا الإذعان؛ربما كنت الأوفر حظا بين المتقدمين لها  .لا اعرف لماذا يتكالب دائما  الأرعن والسفيه والأبله على قصعة ليس لهم فيها ثريد .؟ لماذا يتنافس الإنسان دائما على تصغير ذاته وتحقير وجوده وهو يعلم أن هذا الطريق ليس له ؟.كالضباع تنتظر الفطائس .كلهم يعلمون أنيأحبها وهي تودني .والمغني فضح هذا . بل حتى الأولاد الصغاربلعبتهم. لكنهم مصرون على الظفر بها . اغيرة  ؛ام حسد ؛أم خراب بيوت هذا؟ . كان اكثرهم حماسة للظفر بها   (حردان )طويل الآذان هذا .اه من حردان . نعم انه كان يقرب من كبير القوم . وزوجته عاقر .لكن هذا لايعني انه يلعق صحنه وصحن غيره .صدقني  لولا الآخرون لكفانا نصف مانعيشه من أعمارنا بقناعة .ولكن ما من خطوة الا وخلفها أفواه.النوايا الطيبة وحدها لاتكفي بهذه الغابة  أيها الميت .اسألني انا .طلب منا كبير القوم السباق على الخيول ومن يفوز له سعاد .ففرحت كثيرا لأني اعرف ان العشق  يدفعنيللظفربها وانا  ارى الاخرين كيف يكزون على اسنانهم توعدا بالفوز؛ واولهم حردان هذا راس الثعبان  ؛الذي انسل ليلا الى الحداد  راميا في حضنه كيسا من الدراهم . وطلب منه أن يدق في حدوة حصاني مسمارا طويلا يصل إلى لحم قدم حصاني   كي يكبواواسقط ؛ويخلو  له الوصول الى الراية التي علقها كبير القوم وبعدها يزف على سعاد .أرأيت أي طريق نذل هذا لكسب الحب .(ماهكذا تورد الإبل )ياحردان ماشممت للرذيلة دبقا مثل هذا الذي يفوح من تحت قميصك يارجل .دقت الطبول وتجمهر الناس ونادى  المنادي فيهم

: ايها الناس حين كثر العرسان على سعاد ابنة منذور.ابلغ كبير القوم ان يقام  غدا بينهم السباق .ومن يجلب الراية المعلقة فوق تل الغربان تكون سعادعروسا له وبينما المنادي مشغول بالابلاغ وحوله الناس

: راحت امي  تجر جسدها على عصاها نحو التللترفع يديها الى السماء .وخلفهاغيمةسوداء مشبعة بالوعيد.تنظر اليها ؛وكانهما شيخان على رابية فرمت أمي بالسؤال ومضت تتمتم به  . اللهي كيف لنا ان نقطع السراط ونحن نمسك بتفاحة التوازن؟ثم جرت خلفها عباءتها الثقيلة  ومضت كأنها الذهاب

: هل تسمعني

: كنت أظن انك ستقف على قدميك لتعرف نهاية قصتي في هذا السباق .ولكن الحق علي  ان اكلم ميتا . كلكم لا تريدون الاستماع لي ؛ بل كلكم ساهمتم بضياع سعاد مني حتى انا نفسي .نعم لطالما صارت طيبتي سذاجة؛حين هرول الطوفان نحو القرية  كجنود مدججة.هممت لأساعد الراكبين الى السفينة ونسيت نفسي ؛دفعت الفيل بكتفي حتى ركب ؛والثور حتى ركب ؛حتى القردتبول على ظهري من الخوف وهو يركب  ؛كلهم ذهبوا. وبقيت انا الشاعرالعاشق  اتلمسبقائي باصابع باردة على ارض الطوفان .

والمصيبة  ان يكون  حردان هذا قد ركب هو الاخر .اترضيك هذه القسمة. اتعتقد فعلا انه قد ركب وسيرى سعاد .هل  ان الطيبين  دائما مسروق نصيبهم في هذه الحياة ؛حردان هذا ليسبانسان .انه غراب ثرثار يفتح منقاره  نابحا حتى  بوجه الشمس. كم من مرة بصق   لعابه في صحني الامن  ومضى .فسرق حقي السماحةوالطيبة والتصالح .حتى انه ذات مره هش علي كلابه وانا الوذ بثوبي للخلاص من انيابها ؛وحين شكوته .يقول للناس  لابد من فسحة نريح بها ارواحنا من ضغوط  هذه الحياة .ليس هناك ضغط في هذه الحياة الا امثالك ايها الحوم .المصيبة انه لم  يرضَ ان يتركني؛ملتصقاً بعمري كانه عادة قديمة.وتقول لي انه  ركب السفينة مع سعاد . لما تنظر الي هكذا اعرف انك لم تقل .اقصد لو حصل هذا   ؛اعرف انك ستقول  بالموت وحده ينقذ الانسان نفسه من الالام .لا اريد الموت قبل ان  ادرك الحقيقة هل نحن الصواب ام الخطأ .حردان يركب وانا اتوسد الغرقى .اعدل هذا ؟.يرتعد بدني كلما ذكرت اسم هذا الرجل .انه يمد لسانه حتى في فم الاموات ليسرق احلامهم .وتقول لي لماذا ياتي الطوفان .انتم يااهل السفينه ؛يا سعاد ؛انا عفوان صاحبك .اتذكرين حين نتفت من اجلك شعرة شاربي وانا أدرأ عنك الدود الذي اعلن عفوه عن الموتى وتوجه  الينا . اذن كيف خيل اليك ان تتركيني  مثل سلحفاة  منقلبه على ظهرها بارض لزجة بالنفاق. اين قلبك الذي ماكان يخفق الا من اجلي.لم اكن اجربا لتاخذوا معكم سقف داري وتتركوني للعراء .حردان هذا الذي يزرع الارض اسنانا قبل أوان القمح يسافر؟ وانا اشرب سخام الوحل ؟ قولي لي .مامعنى حياتك وهي خالية مني ؛صدقيني سيضحك منك الفيل وهو يحتضن صاحبته . ستحني الزرافة رقبتها خجلة من ان تنظر بعينيكوانت تركبينمكانا فيه حردان هذا .عودي ياسعاد .الم تقولي يوما ان الحب ليس ان ننظر بعيني بعضنا تعالي وانظري  كوخنا الصغيرالخالي بدونك . اني ارى اولادنا يركضون خلف الحمل الصغير.وانت تخبزين رغيفا وسع كل الجياع .الله مااجمل تلك الخضرة التي تشبه عينيك  ؛صدقيني سافوز بك ونطير معا في الفضاء حتى تحسدنا الطيور لرقصتنا (يأخذ الجثة ويرقص معها )الله كم انت حميمة ياسعاد سأراقص معك كل بداياتي ولتفعل النهايات ماتشاء . (ينتبه انه يراقص الجثة)ماهذا ؟لا اصدق ؛اشعر كان قلبك يتحرك اجل أحسسته وجسدك ملتصق لجسدي .لا أنتتتظاهر بالموت قل لي من أنت وماذا تريد مني .(يضحك طويلا) اعذرني أيها الميت لابد انه هذيان الحب ؛ نعم أحببتها حتى شاخت أصابع الشعر  على الورق هل سمعت شباب الحي يرددون اشعاري بل حتى الرعاة والكهول

في راسي صاح الهوى

 لو تدري ماصاح بي

لقلت ياويلتي مجنون ياصاحبي

 شعر جميل اليس كذلك.بدأتأخاف منك  تكلم ؛ قل شيئا كيف أنت شبيهي ولن تنطق حتى باسمي ؟.ام اني ايضا ميت ؟.لا أنا لن ارتضي ببروكك الأرعن هذا .نعم انا مازلت احلم بالركوب احلم بالخلاص .ولكن مانفعي وانا مثل ثعبان يبتلع ذيله خطوت خطوة حتى أكلالرأسالرأس. قل لها ياهذااتذكرين حين طلب مناكبير القوم السباقكنت أكثرهمإصرارا على الفوز

هناك في الإمتداد الموحش قرب القرية حيث تل الغراب الذي طالما شهد اقتتال الخصوم وخلوات لغسل عار .تجمهر الناس بانتظار قدوم الكبير لبدء السباق  فشدت امي على وسطي حزاما من خوص النخيل .وانت تقفين خلفها باكية؛أمي اعلم ان عيون الجبناء والمتصدقين بالاعراف تطاردني يتبعهم المندسين وحاملي الاقنعة الملونه. لكني ارتقيت برأسي فوق أوهامهم ولم احنه الا عند قدميك.

سعاد اوصيتك ان لا تقلبي طاسة الحناء اذا ما افترستني خسارة او انياب مصيبه ؛.اصبري .ساواجه الصعاب من اجلك .وان تمكن مني حردانفالموت دائما هكذا . لايفضل ان يرى الكثيرين في طريقه.امتدت يدها  لي واعطتني اخررسالة من المؤكد انها لاتفارق جيبي وضعتها قريبا من قلبي (يفتش عن الرسالة لم يجدها )اين هي ، هذا غيرممكن انا احكمت عليها خرقة من اعز ثيابي إنها اخر بقايا سعاد ، فتش معي لا يمكن ان تكون بقميصك ايضا.تعال الي(يجد الخرقة في جيبه )مستحيل ما الذي  يحدث من اين يجيء هذا الميت بكل اسراري ايعقل ان تكون انت اخر شجرة اعلق عليها سروالي .ايعقل ان تكون سري الذي لم يعلن بعد  لماذ لم تكملحكايتي وانام انا مكانك من المؤكد انك تعرف كل الذي جرى معي.تعرف الذين اكلوا اثداء حياتي  وحليبها. تعرف الذي قرط  مفتاح الحديد وتركني متخبطا  امام الباب تعرف بدقات قلب التنين المترصد الي في فجوة من كهوف الخيانة.هل كان لك علم بدسيسة حردان الذي عطل حصاني عن الجري . لما ذا تصمت اذن انت من تامر معه. انت سبب مصائبي كلها . ولكن هيهات ان تنالوا مني فانا احمل حياةً وانتم تحملون الخراب من اين اجيء بما يكفي من الذهب لاغطي به معدنكمالمتعفن عند موخرات خيولكم . ثيابكم مدهونة بدخان الليل الواطيوقميصي مغسول  ببسملة امي . اوقفوا السفينة ايها الراحلون.سعاد لقد كشفت المرايا عن اسرارها ياحبيبتي .لقد سرقوني .من اين لي بحصان لا يسلّم  قدميه لمسامير الخيانة  لقد تعثرت وعض حصاني تراب الارض .حردان وصل الى تل الغراب وحمل راية  عرسنا  اني اراها  تمر من فوق راسي كانها سرب جراد اسود يملأ الآفاق. ليس جرادا هذا بل الطوفان ؛اهربي ياسعاد الى السفينة لقد حل  فينا  غضب السماء من دسائس البشر.الآنمأمن انسان منتصر والآخرمهزوم ؛جميعنا سيلحسه موج الطوفان ويطهر الارض من النفاق .انتظريني هناك  يا عزيزتي ؛ ربما استقر جسدي عند ظهر السفينة؛لا تقطعي عني رسائلك سأتنفس الضوء من ثقوبها؛سافري  ؛   ماجئنا لهذه الدنيا لنخلد فيها؛فنحن لسنا غير ذاكرة  لهذه الارض .اني اختنق يا سعاد ؛لفني بخوص النخل لا اريد ان يصبح جسدي طعاما لحيتان الشماتة.

(يسقط عفوان وتبقي الدمية شاخصة نسمع صوتها )

صوت عفوان : عفوان منذ زمن تخلت قدماك عن روحك  ايها الحالم ؛انا جثتك ؛انا عفوان  الغريق الذي ايقن  ان الموت كريم في عطائه ؛ورحمة الله اوسع من ارض خربه .فاهجر مسار الدم في عروقك  فمن اراد منا التعود على الالم لابد ان يسكن فيه ؛ تعال لنرقد بسلام

النهاية

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اظهر المزيد

عباس الحربي

مؤلف ومخرج وممثل مسرحي من العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق