“هلاوس” رؤية مسرحية صامتة لـ”تاجر البندقية” بخيال مصري

عرض مسرحي متكامل يقدم المخرج من خلاله رسالة لكل فناني المسرح الجسدي والمايم بأن يكملوا مسيرتهم دون يأس.

أتقن المخرج المصري محمد عبدالله فن الأداء الحركي الصامت أو ما يعرف بـ”المايم” و”البانتومايم”، مؤمنا بقدرته في يوم ما على تقديم عرض مسرحي طويل يجذب الجمهور إلى هذه النوعية غير الشائعة من العروض، لكن نجاح عرضه المسرحي “هلاوس” (هلوسات) فاق كل توقعاته.

العرض مدته ساعة من الزمن وهو قائم بالكامل على الأداء الحركي الصامت لتسعة من الممثلين الشبان، مع توظيف مميّز للموسيقى التي أعدّها عبدالله أيضا من مقطوعات عالمية للعمل المأخوذ عن رائعة الكاتب الإنجليزي وليام شكسبير “تاجر البندقية” مع ربط دقيق بين الماضي والحاضر.

ويسلّط الضوء في بداية المسرحية على مؤلف يجلس بمكتبه في ركن قصي من المسرح، يبدو أنه يكتب نصا جديدا مستوحى من المسرحية الإنجليزية الشهيرة، وفي ذهنه الفرقة المسرحية التي ستقدّم رؤيته المعاصرة للعمل. لكن رويدا رويدا يبدأ القديم في الاشتباك مع الحديث داخل رأسه وتتداخل الأحداث حتى تتحوّل أفكاره إلى هلوسات تخرج عن السيطرة فيحاول إعادة كتابة النص من جديد.

ورغم تركيز العرض على معاني الحب والكره والصداقة والغيرة واستناده إلى نص أدبي عالمي لم تغب عنه روح الفكاهة التلقائية التي تجسدت بأداء حركي سلس وسريع على المسرح.

ويركز العمل أيضا على أربع مدارس تمثيلية وهي المسرح الجسدي والمايم والبانتومايم والمسرح الأسود، حيث يعتمد العرض بشكل كبير على الإمكانيات الجسدية للممثلين بدلا من الحوار المسرحي عبر تجربة استثنائية مختلفة عن العروض المسرحية العادية، في إبراز للعلاقات الإنسانية بشكل أكبر وهو ما يركّز عليه فن المايم في المطلق.

ويقول مخرج العمل “همي أن أقدّم عرضا مختلفا يناقش علاقات مهمة مثل الصداقة والحب وكيف تتواجد داخل دائرة صراع واحدة”.

وقال عبدالله بعد تقديمه العرض على مسرح الهناجر بساحة دار الأوبرا المصرية “فكرة العرض تشغلني منذ اثني عشر عاما، لكنها كانت تحتاج إلى إنتاج كبير ومسرح مجهز وهو ما لم يتوفّر في السابق، لكن في فبراير الماضي قدّمت فكرتي إلى مسرح الدولة ووجدت دعما كبيرا من زملائي إلى أن حصلت على الموافقة”.

وأضاف “عرض صامت معناه أن الصورة والموسيقى معا هما البطل الرئيسي للعمل، وهي نوعية غير شائعة في مسرحنا. لكن من حسن حظي أن دعّمني المهندس عمرو عبدالله أحد أهم مصممي الديكور والإضاءة في مصر، وكذلك الإضاءة للأستاذ أبوبكر الشريف الذي عمل في السابق مع الفنان يحيى الفخراني وغيره من كبار الممثلين”.

وعن سبب تسمية العرض بـ”هلاوس” قال عبدالله “هي كلمة مصرية دارجة بعض الشيء، ولكنّ لها معنى كبيرا، فالهلاوس أو الهلوسات موجودة دائما وأبدا في حياتنا الشخصية أو العملية في جانب غريب لا يعرفه أحد، كل جوانب حياتنا بداخلها هلوسات فعلية، فالهلوسة من الممكن أن تكون في شكل حلم أو واقع أو تخاريف كلام نريد أن نقوله، ولا يمكن لأي شخص رؤيتها أو معرفتها، وهو ما نناقشه داخل العرض”.

وأشار عبدالله، الذي تعلم فن المايم على يد أحمد نبيل رائد هذا الفن في مصر، إلى أنه لولا وجود مركز الهناجر للفنون الذي تأسّس في تسعينات القرن الماضي لاحتضان إبداعات الشبان لما خرج هذا العمل إلى النور.

وفي سبيل إنجاح فكرته عمل المخرج الشاب -الذي تخرّج في كلية الحاسبات والمعلومات قبل أن يسلك طريق الدراسات المسرحية الحرة- على تشكيل فريق يجمع بين فناني المسرح التقليدي وآخرين يجيدون فن المايم.

وقال “إخراج العروض الصامتة يختلف عن إخراج العروض العادية، لأن طريقة تحرّك الممثل الصامت تختلف عن طريقة تحرّك الممثل المتكلّم، الفرق أنني أسعى لإظهار كل مواهبه وكيف يقدّم حركة أكثر تعبيرا عمّا بداخله، فأنا أتعامل مع حواسه”.

وأضاف “هو عرض مسرحي متكامل يحمل الكثير من فنون الأداء والمسرح، لكني أردت تقديم رسالة لكل فناني المسرح الجسدي والمايم بأن يكملوا مسيرتهم دون يأس، فرغم المعوقات الكثيرة التي اصطدمت بها بجانب مفردات التجربة الكثيرة تمكّنت من كسر الحواجز وتقديم هذا العمل ليظهر بالشكل الذي ظهر عليه”.

ويعود أصل كلمة البانتومايم إلى اللغة اليونانية، وهي مشتقة من كلمتين “بانتو” وتعني الانبهار و”مايم” وتعني يقلّد، وبجمع الشقين يكون الحاصل: الانبهار من التقليد. لكن المتعارف عليه أن من يؤدّي هذا النوع من الفن يسمى “الفنان الإيحائي”.

والبانتومايم له تاريخ طويل، حيث عرفه في البداية المصريون القدامى؛ فإذا لم يحضر الملك المعركة يقوم بهلوانات البلاط بالتمثيل الصامت أمامه ليشرحوا له المعركة، وذلك عن طريق تأدية حركات تقليد ورقصات بغرض التعبير. لكن هذا الفن عرف أكثر على أيدي اليونانيين الذين طوّروه وقاموا بتأديته على المسرح عن طريق عروض كبيرة ثم تتطوّر إلى استخدام الآهات. غير أن هذا النوع الأخير أثار استهجان الجماهير للأصوات المزعجة، فعاد الأداء مرة أخرى إلى رونقه الصامت.

المصدر : العرب

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق