مقالات

هل تساعد الإنترنت أبا الفنون على تجاوز عقباته أم تطيح به المسرح فن طقوسي وفعل احتجاجي قد لا تتحمله شبكة المستهلكين السريعين. / محمد ناصر المولهي

المصدر : العرب

مع التجاء الأعمال المسرحية إلى الفضاء الافتراضي، نشأ جدل كبير حول مستقبل الفن المسرحي، الذي يرى بعضهم أن شبكة الإنترنت وما يتعلق بها من منصات إلكترونية وقنوات عرض وإنتاج، تهدد وجود المسرح فنا حيا ومؤثرا. ومن جهة أخرى يعيش أبو الفنون في أزمة كبيرة لا تتوقف عند غياب الجمهور أو التمويل أو الأفق الجمالي والفكري لمن يروم التجريب. فهل يستفيد المسرح من الإنترنت وهل يمكنه أن يتكامل معها؟ وما هو مستقبل الفعل المسرحي؟ أسئلة تبدو ملحة اليوم ولا بد من تجنب الأحادية في تناولها.

مع ما يشهده العالم من ظروف صحية تفرض التباعد الاجتماعي التجأت العديد من القطاعات الثقافية والفنية إلى العمل عن بعد، وبتنا نجد مهرجانات سينمائية وعروض أفلام وحتى معارض كتب وحفلات موسيقية وندوات ثقافية تقام عن بعد، ولم يشذ المسرح عن هذا التمشي.

مع إغلاق المسارح، أجبر الكثير من المسرحيين على التوقف عن النشاط، بينما اتجه بعضهم إلى الشبكة العنكبوتية لعرض أعمالهم، لكن ذلك خلق بدوره جدلا جوهريا حول جدارة الفعل المسرحي عن بعد.

الالتجاء إلى الإنترنت

على غرار مختلف أقطار العالم شهدت عدة دول عربية تقديم عروض مسرحية افتراضية خلال هذه الفترة، في محاولة منها لمجابهة حالة الشلل التي عرفها المسرح، لغاية استمرار الفن الرابع وإعادته إلى فاعليته الثقافية.

في السعودية قدم مجموعة من الشباب مسرحية بعنوان “1441” وهي تستعرض عبر شخصية طبيب تجربة علمية تسعى إلى استكشاف وسيلة للسيطرة على المشاعر الإنسانية. والعمل لم يكن مسجلا، بل بث بشكل مباشر افتراضيا على الإنترنت، وهو ما أثار ردود أفعال متباينة، بينما حضره أكثر من 1000 متفرج من دول متعددة، وهو ما كان مستحيلا في حالة العرض بشكل تقليدي.

وفي الأردن قدم في المركز الثقافي الملكي بعمّان، عبر العالم الافتراضي، مهرجان ليالي المسرح الحر الشبابي، الذي أقامه تحت شعار “الوضع كوفيد – 19″، وقد انحازت فعالياته إلى فئة الشباب، من خلال تخصيص الدورة لإبداعاتهم. وقد كانت العروض تسجل ليتم بثها لاحقا عبر الإنترنت لجمهور المهرجان.

التكنولوجيا الرقمية قد تنجح في محاكاة التفاعل الحقيقي في الواقع، بين الجمهور والعمل المسرحي بمختلف مكوناته

ولم يخلف المسرحيون اللبنانيون عن موجة العروض الافتراضية، فقدموا عملا مسرحيا بعنوان “همسات”، شاركت فيها نخبة من أبرز الممثلين اللبنانيين، في عمل يعالج الواقع اللبناني بطريقة درامية وكوميدية وعبثية ساخرة.

وفي مصر كذلك تعددت المبادرات المسرحية الافتراضية، منذ أن أطلق مسرح الحارة في بيت جالا مبادرته “مسرحية أونلاين”، في محاولة للترفيه عن الجمهور.

ولم تتأخر المنصة العالمية للبث التدفقي نتفليكس عن المشهد، فباشرت بعرض عدد من أشهر مسرحيات الزمن الجميل الكوميدية، تحت عنوان “Arabic Nostalgia”. ومن بين هذه المسرحيات المعروضة “العيال كبرت” و”المتزوجون” و”باي باي لندن” وغيرها من المسرحيات التي حفرت في ذاكرة المشاهدين العرب حول العالم، وأغلبها سبق عرضه على شاشة التلفزيون.

ولم تتوقف الشبكة عند عرض أعمال قديمة ومستعادة، بل أيضا كان لها دورها في العروض العالمية الأولى، حيث قدمت نتفليكس العرض الأول لمسرحية غنائية حول حياة الأميرة الراحلة ديانا، أميرة ويلز، وذلك قبل عرضها على مسارح برودواي السنة المقبلة.

إن الأمثلة كثيرة حول الأعمال المسرحية التي التجأت إلى شبكة الإنترنت، عبر منافذها المتعددة، سواء بشكل فردي أو من قبل بعض المهرجانات، أو عن طريق شركات البث التدفقي، وإن كانت هذه الأخيرة، تختلف عن سابقاتها إجرائيا، فإن كان المسرحيون والمهرجانات فقط لاجئين إلى الإنترنت، فإن شبكات البث التدفقي منتج فني راسخ، لن يتأخر دخوله إلى عالم الإنتاج المسرحي، وتغيير قوانين هذا الفن.

المسرح قضية وليس فنا فقط
المسرح قضية وليس فنا فقط

قد توفر الإنترنت بشقيها المسجل والمباشر لجمهور المسرح ما لا توفره العروض الحية والمباشرة، من ذلك مثلا انتفاء شرط الحضور الجسدي والاشتراك المكاني، وتحقيق فرجة متزامنة في أوقات مختلفة لمشاهدين أيا كانت أماكنهم، وهذا قد يوفر لبعضهم ممن كان يتعذر عليهم مشاهدة مسرح ما في بلاد ما من فرصة هامة للفرجة.

تخدم الوسائل الافتراضية الفرجة بشكل كبير، ولكنها في نفس الوقت تحرمها من متعة الحضور الفعلي، كما تؤثر على المسرحيين بشكل كبير.

قد يرى البعض أنه من الضروري على المسرح أن يجد سبلا أخرى للوصول إلى جمهور آخر أوسع، وهو ما أتاحه له سابقا التلفزيون، وستتيحه اليوم بشكل أكثر عمقا وشمولية شبكة الإنترنت. لكن هؤلاء يتجاهلون التأثير الكبير لنقل المسرح وهو فن حي مباشر، إلى فضاء التفاعل الرقمي، وهو تأثير عاطفي في غالبه.

لكن قد يقول قائل إن التكنولوجيا الرقمية قد تنجح في محاكاة التفاعل الحقيقي في الواقع، بين الجمهور والعمل المسرحي بمختلف مكوناته: من ممثلين وإضاءة وسينوغرافيا وإضاءة ركح وحتى كراسي القاعة وأصوات الجمهور وغير ذلك، فلا حدود للتكنولوجيا. وقد يضيفون بأن التفاعل المعتاد ليس سوى تقاليد حتى العلبة الإيطالية والستارة وغيرهما، كل ذلك من المتغيرات التي طرأت على المسرح ويمكنه التخلي عن حضورها الحقيقي.

إذن يمكن للفضاء الافتراضي أن يستقبل المسرح بطم طميمه، يمكنه حتى تقديم جذاذات عن الأعمال المسرحية قبل عرضها، ويمكنه استيعاب كسر الجدار الرابع، والتغريب وحتى مسرح الحلقة وتفاعليته، نظريا ذلك ممكن من خلال التكنولوجيا وتقنية ثلاثية الأبعاد وحتى سباعيتها والأساليب التقنية المحاكية تماما لواقع العرض من أصغر تفاصيله إلى أهمها. لكن هل يمكنه أن يحقق التأثير الذي يحققه المسرح الحي؟

مسرح الترفيه

هل تنجح التكنولوجيا في تطويع المسرح
هل تنجح التكنولوجيا في تطويع المسرح

لا ننكر أن حيوية المسرح تشبه الطقوسية، التي بينّا نظريا أنه من الممكن محاكاتها افتراضيا، لكن المسرح لا يتوقف عند حدود فعل فني جمالي أو للمتعة، بل هو أيضا فعل سياسي، فعل يحتاج إلى انخراط واع وحقيقي فيه، حيث إن اتجاه الجمهور إلى مشاهدة عمل مسرحي، ليس فقط تمضية لأمسية رائقة، بل هو اتجاه إلى ساحة لتفكيك الأفكار وكشط الغشاوة عن المألوف، ونوع من الاحتجاج على ما هو راكد.

ربما نحكي هنا عن نمط آخر من المسرح، نمط ليس له جمهور واسع، بينما المسرح الدارج أكثر هو المسرح التجاري الذي يعتمد على الكوميديا أو الفودفيل أو الـ”وان مان شو” وكلها تسعى إلى الترفيه والإضحاك في جانبها الأكبر.

هذه الأعمال في أغلبها تقوم على المفارقات وأحيانا لا تتوانى عن الابتذال لتحقيق الغاية الأولى لها ألا وهي الإضحاك، دون التركيز على أي رسالة جمالية أو فكرية أو غيرها.

تكفي نظرة سريعة على ما تقدمه منصات البث اليوم من أعمال مسرحية لنتأكد أنها في أغلبها من باب الترفيه، أعمال يمكنك مشاهدتها ببرود تام وبلا جهد يذكر وأنت على الكنبة تتناول وجبة، نعم لا ننكر أحقية من يرى في المسرح جانبه الترفيهي من منتجيه، أو ما يطلبه من الجمهور، لكن هل ذاك هو المسرح؟

عالمان متناقضان

صحيح أن المسرح الحديث والتجريبي يعاني من اختناق كبير في قدرته على مواكبة المتغيرات وعلى المحافظة على جمهوره الذي يتناقص عاما بعد عام، وأنه بعاني من أزمة التكرار والتشابه وتقلص مدى الابتكار، لكن من كل هذه الأزمات، يمكن للمسرح أن يجدد نفسه، ولا ضير من أن يتجه إلى البث التدفقي والافتراضي، لكن دون أن يخسر حيويته وصفته كفن حي ومؤثر.

التكامل بين الافتراضي والواقعي يبقى ممكنا، لكن العالم الافتراضي المبني على الاستهلاك ومنطق الربح والسهولة والسرعة، قد لا يتحمل فنا مثل المسرح، وبالتالي سيسعى إلى تطويعه لما يناسب المنطلقات التي نشأ منها.

يبقى رهان المسرح اليوم صعبا، في ظل انتشار الشعبوية السياسية، والاستهلاك السهل والسريع، وانتشار التطرف، وعدم تمكنه من أن يدخل لعبة السوق والمال، وابتعاد الجماهير المرهقة والمكبّلة والمغتربة عن كل ما يدعوها إلى التفكير، عوامل كثيرة تقف حائلا بين المسرح ومستقبله، ولن يكون سهلا تجاوزها.

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق