المسرح العربيقرطاج

رواية ‬المنسيّين ‬من ‬«‬يهود»‬ ‬تونس / كمال ‬الشيحاوي

من ‬عروض ‬المسابقة ‬الرسمية ‬«‬جويف»‬ ‬لحمادي ‬الوهايبي ( ‬من ‬تونس)

أمام ‬جمهور ‬غفير ‬غصّت ‬به ‬قاعة ‬الفنّ ‬الرّابع ‬بالعاصمة  ‬قدّمت ‬أمس ‬الأحد ‬09 ‬ديسمبر ‬مسرحية ‬«‬جويف»‬ ‬ضمن ‬عروض ‬المسابقة ‬الرّسمية ‬لأيام ‬قرطاج ‬المسرحية ‬في ‬دورتها ‬الحالية. ‬العمل ‬من ‬إنتاج ‬مركز ‬الفنون ‬الدّرامية ‬والركحية ‬بالقيروان. ‬دراماتورجيا»حمادي ‬الوهايبي»‬ ‬و»حسام ‬الغريبي»‬، ‬إخراج ‬«‬حمادي ‬الوهايبي ‬وتمثيل ‬كلّ ‬من ‬«‬فاتحة ‬المهدوي، ‬فاتن ‬بلحاج ‬عمر، ‬حسام ‬الغريبي»‬، ‬«‬يسر ‬عياد»‬، ‬وهيبة ‬العيدي»‬ ‬و»محمد ‬السايح ‬عويشاوي»‬.‬

تبدأ ‬مسرحية ‬«‬جويف»‬ ‬بحدث ‬فارق ‬أربك ‬الحياة ‬اليومية ‬لمجموعة ‬من ‬النساء ‬اليهوديات ‬المقيمات ‬بإحدى ‬الدور ‬الخاصّة ‬بهنّ ‬وهو ‬أحداث ‬الثورة ‬التي ‬شهدتها ‬تونس ‬في ‬14 ‬جانفي ‬2011 ‬إذ ‬يتدخّل ‬الحارس ‬بقوّة ‬وبصوت ‬منهك ‬ومبحوح ‬لمنع ‬احداهن ‬من ‬الخروج ‬بداعي ‬الاضطرابات ‬والفوضى ‬التي ‬يمكن ‬أن ‬تشكّل ‬خطرا ‬على ‬حياتها ‬ويضع ‬توقيتا ‬محدّدا ‬وصارما ‬يمنع ‬فيه ‬الخروج ‬للشارع ‬عن ‬جميع ‬نزلاء ‬ذلك ‬الفضاء ‬الذي ‬يتكفّل ‬بحراسته.. ‬ويضاعف ‬المنع ‬مشاعر ‬الأسى ‬والضيق ‬والتوتّر ‬الذي ‬تعبّر ‬عنه ‬كّل ‬النساء ‬المقيمات ‬على ‬اختلاف ‬أعمارهن ‬ووضعياتهن ‬الاجتماعية ‬والعاطفية ‬ويتعاظم ‬الوعي ‬التراجيدي ‬بأنهن ‬لسنا ‬في ‬معزل ‬اجتماعي ‬ونفسي ‬وديني ‬فقط ‬لكونهن ‬نساء ‬ويهوديات ‬وإنما ‬في ‬ما ‬يشبه ‬السجن.‬

توتّر ‬الضيق ‬و ‬الحصار ‬والمنع

لقد ‬أحسن ‬«‬حمادي ‬الوهايبي»‬ ‬الكتابة ‬الدراماتورجية ‬لقصّته ‬حين ‬جعل ‬المنع ‬والضيق ‬والخوف ‬من ‬الوضعيات ‬النفسية ‬والدّرامية ‬المناسبة ‬تماما ‬للصراع ‬وظهور ‬التناقضات ‬والمكبوت ‬والمنسي ‬ومساحة ‬لتفجّر ‬الأحلام ‬والذكريات ‬والبوح ‬والتداعي ‬لدى ‬شخصياته. ‬وهو ‬ما ‬حصل ‬على ‬نحو ‬متسارع ‬ومكثّف ‬في ‬ردود ‬فعل ‬الشخصيات ‬النسوية ‬بحرمانهن ‬من ‬زيارة ‬معبد ‬«‬الغريبة»‬ (‬وهي ‬زيارة ‬دينية ‬عادة ‬ما ‬تمثّل ‬متنفّسا ‬روحيا ‬ليهود ‬تونس ‬اذ ‬يلتقون ‬بإخوتهم ‬في ‬الدّيانة ‬القادمين ‬من ‬بلدان ‬مختلفة ‬فيما ‬يشبه ‬الحجّ ‬أو ‬المهرجان ‬الروحي) ‬وتعاظم ‬أثره ‬بحادث ‬احتراق ‬«‬الزليزة»‬ ‬التي ‬تمثّل ‬ذاكرة ‬ذلك ‬المكان ‬بما ‬تحتويه ‬من ‬آثار ‬وأرشيف. ‬ولقد ‬أسهم ‬دخول ‬شخصية ‬«‬ميمون»‬ ‬الغامضة ‬إلى ‬حياة ‬النسوة ‬وعزلتهنّ ‬في ‬تشبيك ‬الأحداث ‬والشخصيات ‬وإدخال ‬عنصر ‬التحقيق ‬والبحث ‬و ‬إضفاء ‬عناصر ‬التشويق ‬والإثارة ‬والدراما ‬العاطفية ‬والسياسية. ‬وقد ‬انكشف ‬كلّ ‬ذلك ‬على ‬نحو ‬درامي ‬بافتضاح ‬خطّته ‬الخبيثة ‬في ‬سرقة ‬النسخة ‬الفريدة ‬من ‬التوراة ‬ونقلها ‬بشكل ‬غير ‬قانوني ‬من ‬تونس ‬إلى ‬اسرائيل ‬وأبانت ‬السلط ‬الأمنية ‬لتونس ‬ما ‬بعد ‬الثورة ‬عن ‬يقظة ‬كبيرة ‬وحرص ‬على ‬التعامل ‬مع ‬موروث ‬يهود ‬تونس ‬باعتباره ‬جزءا ‬هاما ‬ورئيسيا ‬من ‬تراث ‬تونس ‬الذي ‬يعكس ‬روح ‬التنوّع ‬والتسامح ‬فيها.‬

نزعة ‬«‬نسوية»‬

لمجاوزة ‬التوتّر ‬الدّرامي ‬«‬الذكوري»‬

ولعلّه ‬من ‬المناسب ‬في ‬هذه ‬القراءة ‬السريعة ‬للعمل ‬أن ‬ننبّه ‬إلى ‬وجود ‬رؤية ‬نسوية ‬مميّزة ‬داخل ‬العمل ‬تتجلّى ‬في ‬إظهار ‬الرّجل ‬بصفته ‬المسؤول ‬عن ‬التوتّر ‬الدّرامي ‬والمتسبّب ‬الأوّل ‬فيه. ‬فهؤلاء ‬النسوة (‬حبيبة، ‬دليلة، ‬عزيزة»‬ ‬على ‬اختلاف ‬طباعهن ‬يعشن ‬في ‬تناغم ‬عام ‬رغم ‬ما ‬يحدث ‬من ‬مشاكل ‬صغيرة ‬بسبب ‬الغيرة ‬والنزوع ‬للسيطرة ‬وبينهن ‬مودّة ‬وعطف ‬كبيرين ‬بلغ ‬حدّ ‬جلب ‬احداهن ‬لامرأة ‬غير ‬يهودية (‬عزيزة، ‬قامت ‬بالدور ‬ببراعة ‬«‬فاتحة ‬المهدوي»‬) ‬وضمّها ‬لهذا ‬المجمع ‬النسائي ‬بادعاء ‬أنها ‬يهودية ‬من ‬أصل ‬مغربي ‬والحال ‬أنّها ‬تونسية ‬مسلمة ‬لم ‬يعد ‬لها ‬من ‬كفيل ‬أو ‬مأوى ‬بعد ‬أن ‬لفظتها ‬حانات ‬تونس ‬وشوارعها ‬ولم ‬تعد ‬قادرة ‬على ‬ممارسة ‬حرفة ‬البغاء. ‬وفي ‬مقابل ‬هذا ‬المجمع ‬النسوي ‬تمارس ‬الشخصيات ‬الرّجالية ‬السيطرة ‬والهيمنة  ‬سواء ‬بصفتها ‬الدّينية ‬في ‬اشاراتهن ‬للربي ‬والحاخام ‬وغيرهما ‬من ‬الرّجال ‬الذي  ‬يشرفون ‬على ‬هذا ‬الفضاء ‬الشبيه ‬بالملجأ ‬أو ‬المعبد ‬اليهودي  ‬في ‬إطار ‬التراتبية ‬الذكورية ‬التي ‬تميّز ‬الدّيانات ‬التوحيدية ‬عموما ‬أو ‬بوظائفها ‬ومن ‬ذلك ‬«‬الحارس»‬ ‬الذي ‬يتبيّن ‬فيما ‬بعد ‬أنّه ‬مكلّف ‬أمنيا ‬بمراقبتهن ‬أو ‬شخصية ‬«‬ميمون»‬ ‬الذي ‬يقتحم ‬عليهن ‬عزلتهنّ ‬بدعوى ‬أنّه ‬«‬عالم ‬آثار»‬ ‬و»أركيولوجي»‬ ‬ويسعى ‬لإقناعهن ‬بحتمية ‬مغادرة ‬تونس ‬التي ‬ولدنا ‬فيها ‬والهجرة ‬إلى ‬إسرائيل ‬بسبب ‬ما ‬يتهدّد ‬وجودهم ‬وحياتهم ‬من ‬خطر ‬مع ‬تعاظم ‬نزعات ‬التشدّد ‬والتطرّف ‬خصوصا ‬من ‬قبل ‬الجماعات ‬الدّينية ‬الأصولية ‬التي ‬تشيطنهم ‬عقائدينا ‬وترفض ‬وجودهم.‬

وهكذا ‬تجد ‬هذه ‬المجموعة ‬من ‬النساء ‬اليهوديات ‬أنفسهم ‬في ‬ضغط ‬وحصار ‬من ‬جميع ‬الجهات (‬الحارس ‬الذي ‬يمنعهن ‬من ‬الخروج ‬ليلا، ‬رجال ‬الأمن ‬الذين ‬منعوهن ‬من ‬زيارة ‬الغريبة، ‬و»ميمون»‬ ‬الذي ‬يستعمل ‬كلّ ‬الوسائل ‬من ‬أجل ‬الحصول ‬على ‬نسخة ‬فريدة ‬من ‬التوراة ‬وإقناعهن ‬بحتمية ‬الهجرة ‬إلى ‬اسرائيل).‬

لا ‬شكّ ‬أنّ ‬أوّل ‬ما ‬يحسب ‬لهذا ‬العمل ‬المسرحي ‬تخصيصه ‬كلّ ‬مساحة ‬الدراما ‬المسرحية ‬لموضوع ‬اليهود ‬التونسيين ‬وتقديرنا ‬أنّ ‬طرافته ‬وجرأته ‬تبرزان ‬في ‬كونه ‬لم ‬يختر ‬شخصيات ‬يهودية ‬شهيرة ‬مثل ‬«‬حبيبة ‬مسيكة»‬ ‬التي ‬كانت ‬الشخصية ‬والحكاية ‬الرئيسية ‬لفيلم ‬سينمائي ‬طويل ‬للمخرجة ‬«‬سلمى ‬بكار»‬ ‬حمل ‬عنوان»‬ ‬رقصة ‬النار»‬ ‬وإنما ‬اختار ‬شخصيات ‬عادية، ‬لم ‬يتميّزن ‬ببطولة ‬خارقة ‬وإنما ‬عبّرن ‬ببساطة ‬قوية ‬ومثيرة ‬عن ‬تعلّقهن ‬الكبير ‬ببلدهم ‬تونس ‬وإصرارهن ‬على ‬البقاء ‬فيه.‬

مسرح ‬ملتزم ‬فكريا ‬وجماليا

الواضح ‬أنّنا ‬أمام ‬عمل ‬مسرحي ‬ملتزم ‬فكريا ‬وجماليا. ‬ويظهر ‬التزامه ‬الفكري ‬في ‬منحه ‬المساحة ‬والموضوع ‬والبطولة ‬لنساء ‬يهوديات ‬قاومن ‬ببسالة ‬من ‬أجل ‬البقاء ‬في ‬بلدهم ‬مصرّات ‬على ‬هويتهن»المواطنية»‬ ‬قبل ‬الدّينية  ‬والطائفية ‬وهي ‬رسالة ‬قوية ‬وعالية ‬ضدّ ‬قوى ‬التطرّف ‬فضلا ‬عن ‬كونها ‬تمثّل ‬تحدّيا ‬واختبارا ‬متواصلا ‬للنظام ‬الدّيمقراطي ‬الذي ‬لا ‬يمكن ‬أن ‬يعيش ‬سوى ‬في ‬مناخ ‬الإيمان ‬بالتعدّد ‬والاختلاف ‬وهو ‬عمل ‬ملتزم ‬جماليا، ‬سعى ‬بقوّة ‬لإنشاء ‬تعبيريته ‬من ‬قوّة ‬أداء ‬الممثلين ‬الذي ‬حملوا ‬بأجسادهم ‬كلّ ‬عناصر ‬الدّراما ‬في ‬العمل ‬مع ‬توظيف ‬متقشّف ‬لعناصر ‬الإضاءة ‬والدّيكور ‬بما ‬يعطي ‬المساحة ‬كلّ ‬المساحة ‬للإنساني . ‬فتحية ‬لهم ‬جميعا.‬

تعليقات الفيس بوك

تعليقات الفيس بوك

Powered by Facebook Comments

الخشبة

محمد سامي عضو نقابة الفنانين العراقين - وعضو آتحاد المسرحيين العراقيين ييعمل لدى مركز روابط للثقافة والفنون ومحرر في موقع الخشبة و موقع الهيئة العربية للمسرح

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق